بحث في الرزق   9

 

عدم استبطاء الرزق

عن الإمام الكاظم ع قال:

[ ينبَغِي لِـمَن عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ لَا يَستَبطِئَهُ فِي رِزقِهِ وَلَا يَتَّهِمَهُ فِي قَضَائِهِ].

   بعد الحديث عن ارتباط الرزق بالله فإنّ من يعلم عظمة الله وحكمته وتدبيره لأمور خلقه ينبغي عليه أن يكون راضياً مطمئناً إلى رحمة ربّه وفضله في كل الاحوال فهو أعلم بما يصلح عليه امر عبده فالذي لا يغفل ولا ينسى من ايصال الرزق الى بعض مخلوقاته الضعيفة وهي في اعماق البحار او في اعالي الجبال او في بطن الجليد في اطراف القطب او وسط تلال الصحراء القاحلة فانه لا يغفل عن ايصال رزقه الى من كرّمه من مخلوقاته في الارض وهو الانسان كما قال في كتابه الكريم:  (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) وكما تقدم شرحه فان لله حكمة ورحمة وفضلا على العباد في تقتير الرزق او توسعته لهم بما هو افضل لأخرتهم ولنجاتهم من عذاب النار او كما ورد في دعاء الافتتاح: (ولعل الذي ابطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الامور)، ولو كشف الغطاء للإنسان في عواقب الامور لما اختار غير الوضع الذي اختاره الله له ولقال من كل قلبه كما في ورد في تتمة الدعاء: ( فلم ارى مولى كريما اصبر على عبد لئيم منك عليّ يارب، انك تدعوني فأولي عنك وتتحبب اليّ فاتبغض اليك كأن لي التطول عليك)، فحين يدخل اليقين في القلب بعظمة ورحمة هذا الرب العظيم فان الرضا والسعادة تغمر قلبه ويدرك ما وهبه الله من فضل واحسان.

فعن رسول الله (ص) قال:
[مَنْ رَضِيَ بِمَا رَزَقَهُ الله قَرَّتْ عَينُهُ].

أي عاش السعادة الدنيوية لرضاه برضا الله وتنعّم بالسعادة الأخروية لطاعته وشكره.

وعن رسول الله (ص) في حديث اخر قال: [ يَقُولُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لِيَحذَر عَبدِي الَّذِي يَستَبطِئُ رِزقِي أَنْ أَغضَبَ فَأَفتَحَ عَلَيهِ بَابَاً مِنَ الدُّنيَا].

   بمعنى أنّ اقبال الدنيا ورفاهيتها المادّية قد تكون نقمة وعقوبة وغضب من الله على عبده كالمطر الذي يسبّب فيضان الأنهار وانجراف التربة وخراب البيوت وقطع الطرق والمواصلات وهلاك الزرع والضـرع والدمار الشامل فكذلك كثرة الأموال قد تؤدي إلى فساد الإنسان وخروجه عن الصراط المستقيم ودخوله جهنم بأعماله التي انساق فيها مع الهوى والشيطان .

وعن الإمام الصّادق ع قال:
[مَنْ رَضِـيَ مِنَ اللهِ بِاليَسيرِ مِنَ المَعاشِ، رَضِيَ اللهُ مِنهُ باليَسيرِ مِنَ العَمَلِ]

    ليوضح بهذا الحديث جانبا اخر من التقتير او السعة في الرزق حيث يكون الحساب متناسبا مع القدرة والامكانية فان الله لا يكلف الانسان بأكثر مما اعطاه من المواهب والقدرات، ولذا من كان راضياً عن ربه شاكراً لأنعمه فان الله يقبل منه اليسير من العمل ليعطيه مقابل ذلك أضعافا مضاعفة من الجزاء والمثوبة لأنه كان عبداً شكورا ولان جزاء الاخرة متناسبا مع زرع الدنيا فإن الله ينظر الى اخلاص القلوب ونوعية الاعمال الصادقة له وليس الى الكمية في الاعمال التي تكون لغيره مهما تغلفت باسمه او بأسماء نبيه او اوليائه (إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com