بحث في الرزق   8

 

عن رسول الله (ص) قال:

[ أَلَا وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفسٌ حَتَّى تَستَكمِلَ رِزقَها، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ (أي طلب الرزق)، وَلَا يَحمِلْ أَحَدَكُم استِبطاءُ شَيءٍ مِنَ الرِّزقِ أَنْ يَطلُبَهُ بِغَيرِ حِلِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدرَكُ مَا عِندَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ ].

   هذا الحديث النبوي الشريف من سيد الانبياء والرسل ومثله عدد من روايات امير المؤمنين وسيد الوصيين يؤكد على مسألة مهمة عند اشتغال الناس في موضوع الرزق وهي هيمنة هذا الجانب على حياتهم في تفكيرهم واعمالهم وتصرفاتهم الفردية والاجتماعية وكأنه طلب الرزق هو المحور الاساسي الذي تقوم عليه حياتهم ووجودهم في الدنيا رغم الآيات الكثيرة التي تنبه الى حقيقة الدنيا والسبب الذي خلق الانسان من اجله، وضمان الله لأرزاق العباد في مدى عمرهم الدنيوي المقدر لهم كما ورد في كتابه الكريم بقوله : (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ )، وقد سبقت هذه الاية قوله تعالى: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).

    حيث يستغل الشيطان هذا الجانب الاقتصادي من الحياة ليبعد الناس عن الله ويوقعهم في حب الدنيا والاستزادة منها لتكون عاملا في ارتكاب المعاصي عند السعة او الضيق او في حالة الغنى او الفقر وللشيطان فنون في ذلك، وهو ما يعني ان على المؤمن ان لا يجعل همه وغمّه هو تحصيل مكاسب الدنيا وزينتها والتمدد فيها بما يجعلها الغالبة على فكره وقلبه، وإنّما يلزمه أن يهتم بما وجد لأجله في الدنيا والذي اوجزه الله بقوله سبحانه : ( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )، فالدنيا هي ميدان العمل للأخرة اساسا او كما اوضحه امير المؤمنين بقوله: (انما خلقتم للأخرة وخلقت الدنيا لكم) فلا ينبغي ان يترك المؤمن لنفسه العنان في الدنيا لتفعل ما تشاء بل ان عليه ان يهتم بتربية نفسه ومراقبتها فيخصّص على الاقل بعض من وقته للقيام بأعمال الأخرة وما يرفع درجته فيها، وأن لا يطلب الرزق من الحرام والشبهات، فالرزق مقسوم ومحدّد على كلّ حال سواء أخذ من الحلال أو الحرام،
وهو ما ورد التعبير عنه في حديث نبوي اخر يشير الى هذه الحقيقة

فعن رسول الله (ص) انه قال:
[ لَا تَتَشاغَلْ عَمَّا فُرِضَ عَلَيكَ بِمَا قَد ضُمِنَ لَكَ، فَإِنَّهُ لَيسَ بِفَائِتِكَ مَا قَد قُسِمَ لَكَ، وَلَستَ بِلَاحِقٍ مَا قَد زُوِيَ عَنكَ ].
أي إنّ أداء الواجبات والفروض كالصلاة والزكاة في أوقاتها وما أمر الله به من اقامة الحقوق له ولخلقه هي أهمّ من الاشتغال بتحصيل الأرزاق، فلن يفوت الإنسان رزق قد قسمه الله له، كما لن يكون هناك رزق لم يقدّره الله لعبده، اضافة الى ما سيسأل الله عبده عن الحقوق التي جعلت بذمته.

ولذا ورد عن أمير المؤمنين ع انه قال:
[ قَد تُكُفِّلَ لَكُم بِالرِّزقِ وَأُمِرتُم بِالعَمَلِ، فَلَا يَكُونَنَّ المَضمُونُ لَكُم طَلَبُهُ أَولَى بِكُمْ مِنَ المَفرُوضِ عَلَيكُم عَمَلُهُ، مَعَ أَنَّهُ وَالله لَقَدِ اعتَرَضَ الشَّكُّ وَدَخِلَ اليَقينُ {اي دخل الشك في يقين المؤمنين بوعد الله في ضمان الرزق لعباده} حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُم {وهو الرزق} قَد فُرِضَ عَلَيكُم {اي قد اصبح طلب الرزق تكليف كالصلاة والصيام}، وَكَأَنَّ الَّذِي قَد فُرِضَ عَلَيكُم {وهو اداء الواجبات الشرعية التي الزم الله العباد بأدائها} قَد وُضِعَ عَنكُمْ].
وهو تأكيد على الاهتمام بأداء فروض الله على العباد والتي سوف يسألون عنها يوم القيامة، فلا ينبغي الغفلة لكثرة الانشغال في أعمال الدنيا ومتطلّباتها، مع أنّ الأرزاق مقسومة ومضمونة للعباد من ربهم.

وعن الإمام العسكري ع قال:
[ لَا يَشغَلْكَ رِزقٌ مَضمُونٌ عَنْ عَمَلٍ مَفرُوض]
إذ يفترض في الإنسان أن يكون عمله في الدنيا لأجل عمارة آخرته السعيدة، والذي خُلقت الدنيا من أجلها، ولا يشتغل عنها بزينة الدنيا والتوسّع فيها، مع أنّ أرزاق الله في الدنيا مضمونة على كلّ حال لجميع العباد.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com