بحث في الرزق   7

 

عن رسول الله (ص) قال :

[لَا تَهتَمَّ لِرِزقِ غَدٍ فَإِنّ كُلَّ غَدٍ يَأتِي بِرِزقِهِ ].

   تقدم الحديث في ان رزق الانسان قد ضمنه الله تعالى له مادام في الحياة وان هذا الرزق خاضع لسنن الله ليكون مادة لاختبار الانسان في عمره الدنيوي المقدّر له، وان عليه ان يهتم برزقه اليومي فلا يحمل هموم المستقبل الذي لا يعلم شيئا عن بقائه له او رحيله عنه لعالم الاخرة، وهو ما يذكر به الحديث النبوي في صدر البحث من عدم حمل هم الدنيا الا بما يقتضيه الحال من القدرة والامكانية، فلا مانع من ان يمد الانسان نظره للمستقبل في اماله واحلامه وامانيه وتطلعاته الا ان بؤرة نظره ينبغي ان تكون متمركزة على الواقع الموجود وتسليم المستقبل لله، وهنا يكمن الفارق بين الناظر الى المستقبل وكأنه امر مسلّم به وثمرة لزرعه الدنيوي، وبين من ينظر اليه متضرعا الى الله في ان يختار له ما فيه خير الدنيا والاخرة وهو الاعلم واللأدرى بما فيه صلاح عبده في مستقبله الدنيوي والاخروي.

     فالنظرة الاولى تعتمد على الجهد الانساني بصورة مستقلة ولذا قد يكون فيها التقدير الخاطئ ابتداء او الحصاد الخائب انتهاء وما يعقب ذلك من انتكاسات نفسية وعملية، اما

    النظرة الثانية فهي تعتمد على التسليم للتقدير الالهي والرضا برضاه فيما يختار لعبده من مقدرات دنيوية لان في ذلك الخير الذي ينعكس بالنجاح والفوز الاخروي والذي هو حصيلة الوجود في عالم الدنيا، ومن هنا ورد الحديث عن رسول الله (ص) قال :

[ لَو أَنَّكُم تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كَمَا يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصَاً وَتَرُوحُ بِطَانَاً].

  اي ان الطيور في بحثها عن رزقها تنطلق وبطونها فارغة يلتصق الجلد فيها بالأحشاء وتعود بطانا اي ممتلئة البطن برزق الله لها، والمعنى المراد بذلك هو ان الثقة بالله والتسليم لأمره والاطمئنان الى قدره وقضائه تجعل الانسان يفوز بعطاء الله وفضله وخيره، وهو ما يعني تطلع العبد الى ربه في رزقه له وتدبير امره، كما ورد في دعاء الامام الحسين في عرفة بقوله: (اللهم اغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك عن اختياري، واوقفني على مركز اضطراري) اي لا تجعلني عند الحاجة والاضطرار الجأ الى غيرك جهلا بمقامك واغترارا بالأخرين وعونهم.

وعن الإمام جعفر الصادق ع انه قال:

[إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ أَرزَاقَ المُؤمِنِينَ مِنْ حَيثُ لَا يَحتَسِبُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ العَبدَ إِذَا لَم يَعرِفْ وَجهَ رِزقِهِ كَثُرَ دُعَاؤُهُ].

وهو ما يعني ان يكون قلب المؤمن متعلّقاً بالله دائما في رزقه وفي جميع أموره وأن يدعوه ويتضرع إليه ويسأله من رزقه وفضله، فإن من علامة حسن العبودية أن لا يرجو الإنسان أحداً في رزقه غير الله سبحانه وتعالى:

(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا؟ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ؟ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com