بحث في الرزق   6
 

عن أمير المؤمنين ع قال:

[الرِّزقُ رِزقانِ، رِزقٌ تَطلُبُهُ وَرِزقٌ يَطلُبُكَ، فَإِن لَم تَأتِهِ أَتَاكَ، فَلَا تَحمِل هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَومِكَ، كَفَاكَ كُلُّ يَومٍ عَلَى مَا فِيهِ، فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ، وَإِن لَم تَكُن السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصنَعُ بِالهَمِّ فِيمَا لَيسَ لَكَ، وَلَنْ يَسبِقَكَ إِلَى رِزقِكَ طَالِبٌ وَلَنْ يَغلِبَكَ عَلَيهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبطِئَ عَنكَ مَا قَد قُدِّرَ لَكَ]

   بعد ان تضح ان الرزق هو مقدّر من الله بحسب القضاء الالهي لكل انسان وبموجب سننه التي جعلها لنفسه في الدنيا، وان من تلك السنن هي ان يسعى الانسان في تحصيل رزقه من اسبابه التي أحلها الله له ليكون وسيلة من وسائل امتحانه الدنيوي التي تترتب عليها درجته الاخروية، فان الحديث المذكور عن امير المؤمنين ع في اول البحث ينبه الى ضرورة التعامل مع الرزق المادي بالمفهوم الاسلامي المتزن الذي لا يجعله مدارا لحياته الدنيوية وكأنه هو القضية الوحيدة المهمة في الحياة ولا يوجد بعد هذه الدنيا حياة اخرى، ولا ان يهمله اعتمادا على ضمان الله في الرزق لعباده، فيشير الى التعامل الواقعي والموضوعي في تحصيل الرزق بالاستفادة من يومه الذي هو فيه، فيعيش يومه بشكر الله وحمده ويستثمره بأحسن ما يستطيع عليه من الاستثمار، اذ هو لا يعلم ما يحمل له الغد من مقادير فهل سيكون من اهل الدنيا ام سيكون من اهل الاخرة؟ وهل ستكون ظروفه الدنيوية كما هي أو إنها ستتغيّر وتتبدّل مع المقدّرات الإلهية له وللدنيا عامّة؟ فالمطلوب من المؤمن هو ان يعيش الدنيا بحسب سنن الله وما الزم عباده فيها من الفروض، ومنها ان يعمل للدنيا والاخرة في ان واحد كما ورد في قوله تعالى :(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )

    لذا يقول امير المؤمنين ع في مستهل حديثه: (الرِّزقُ رِزقانِ، رِزقٌ تَطلُبُهُ وَرِزقٌ يَطلُبُكَ، فَإِن لَم تَأتِهِ أَتَاكَ)، اذ ليس كل ما يريده الانسان يستطيع تحقيقه لأنه مخلوق محدد بمقادير الله وتدبيره له وان كان يبدو في ظاهر الامر انه مستقل بذاته قادر على فعل ما يشاء، فكما ليس له السيطرة على حركات قلبه والاجزاء الداخلية لبدنه، ولا التحكم فيه كما يشاء كأن يعيش من دون هواء او ماء او غذاء، او يطير في السماء او يحمل ثقلا يفوق قدرته، فكذلك الامر بالنسبة الى الرزق لا يستطيع ان ينال منه الا ما حدده الله له من قبل، وهو ما يدل على ان الانسان مخلوق مدبر من ربه لا يستطيع فعل شيء الا بإرادته وتقديره رغم ما حباه الله من العقل والقدرات الذاتية، وان النجاة والسلامة في الدنيا والاخرة هو باتباع امر الله وسننه والتي لا يستطيع المرء الانفكاك عنها ابدا، وكفى بحتمية الموت دليلا على عجز الانسان ومحدوديته.

ولذا يتمم حديثه بقوله:

[ فَلَا تَحمِل هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَومِكَ، كَفَاكَ كُلُّ يَومٍ عَلَى مَا فِيهِ، {اي ليكن تركيزك على يومك الذي تعيشه وان كان في تخطيطك الاعداد للأشياء المستقبلية} فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ، وَإِن لَم تَكُن السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصنَعُ بِالهَمِّ فِيمَا لَيسَ لَكَ؟ وَلَنْ يَسبِقَكَ إِلَى رِزقِكَ طَالِبٌ وَلَنْ يَغلِبَكَ عَلَيهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبطِئَ عَنكَ مَا قَد قُدِّرَ لَكَ]

وعن أمير المؤمنين ع في حديث اخر قال :

[الرِّزقُ رِزقانِ، طالِبٌ وَمَطلوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنيَا طَلَبَهُ المَوتُ حَتَّى يُخرِجَهُ عَنها، وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتهُ الدُّنيَا حَتَّى يَستَوفِيَ رِزقَهُ مِنهَا].

  وهو تنبيه للمؤمن في ان يجعل جهده وسعيه للآخرة أساسا ولكن من دون اهمالٍ للدنيا ومسلتزماتها وحاجاتها، فإن الموت يطلبه ويسعى وراءه ولابد وان يدركه في وقته ولحظته، كما أنّ الدنيا تطلبه ليستوفي رزقه المقدّر له فيها، فلا ينبغي ان يغفل عن طلب الاخرة، ولا عن طلب المقدّر له من الدنيا، فان الناس تلتفت الى الدنيا وتترك طلب الموت او الانتقال الى الاخرة والذي هو حتمي لا مفر منه، فالأولى باهل البصيرة والهدى هو تقديم الآخرة على الاولى في سعيهم الدنيوي ما دام الموت حتميّ والرزق حتميّ، وهو ما يعني ان يكون تعلق القلب بالله راضيا بقضائه وقدره عند اشتغاله بأمور الدنيا، من دون غفلة عن الاخرة، فالله يفعل ما يشاء وهو القادر على ما يريد ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com