بحث في الرزق  3

 

عن أمير المؤمنين ع قال في تقدير الارزاق:

[ قَدَّرَ الأَرزَاقَ فَكَثَّرَها وَقَلَّلَها، وَقَسَّمَها عَلَى الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، فَعَـدَلَ فِيهَا لِيَبتَلِيَ مَنْ أَرَادَ، بِمَيسورِها وَمَعسورِها، وَلِيَختَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكرَ وَالصَّبرَ مِنْ غَنِيِّها وَفَقيرها].

   تقدم الحديث في ان الارزاق منحصرة بيد الله وحده، الا ان هذا الانحصار كما يشمل السعة فانه يشمل الضيق ايضا كما اوضحه حديث الامام : [لَا يَملِكُ إِمسَاكَ الأَرزاقِ وَإِدرَارَها إِلَّا الرَّزَّاقُ]،

   فالتقدير الشامل هو بيد الله وهو اعلم بما يصلح عليه امر العباد في سلسلة الاسباب والمسببات التي تقدم الحديث عنها، فان امور البشر مترابطة ومتداخلة بشكل عظيم فيما بينها من جهة ومع الكون كله من جهة اخرى وهو ما يعرف علميا بقانون توازن الطبيعة والذي يعني ان كل شيء موجود في الكون هو بنسبة ومقدار معين مترابط ومتوازن مع غيره، فاذا اختل عن مقداره يترك اثره المباشر على الحياة وهو ما حدث فعلا في كثير من المتغيرات التي شملت الكرة الارضية وما يتعلق بها من ترابط مع اجزاء الكون الاخرى ولكن الانسان غافل عن ذلك الا فيما ينكشف له من الاثار المباشرة كمثل الاثر الذي تركته الثقوب في طبقة الاوزون والذي ادى الى ارتفاع درجة حرارة الكرة الارضية بنصف درجة والذي سبب بدوره ذوبان بعض اجزاء الجليد في قطب الارض وما ترتب على ذلك من الفيضانات العارمة والاعصارات المدمرة فيما يعرف بالتسونامي او غيره، فهذه التغيرات الكونية ترتبط بفعل الانسان حين يخالف سنن الله وقوانينه الشاملة للبشرية كلها.

    ومن هنا يفهم ما تناوله الامام في حديثه في اول البحث من تحديد الارزاق او توسعتها فيما تنتظم به الحياة البشرية في جريانها ضمن السنن الالهية والتي مدارها هو الانسان في الاصل، فكل ما في الدنيا خلق لأجل الانسان ليحكم بصلاحيته لدخول الجنة او النار من خلال اعماله وتصرفاته في الحياة الدنيا، فالتفاوت في الارزاق يعني دوام الحياة التكاملية للبشر ولولا ذلك لانعدمت الحركة والتغيير كما في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وقوله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ).

    الّا ان هذا التحرك البشري لدوام الحياة استوجب وجود القوانين الربانية التي تحول دون ان يطغى الانسان بفعل النزغ الشيطاني الذي يستهدف جر الانسان الى جهنم، ومن هنا كان تقنين الارزاق في السعة او التضييق وسيلة لامتحان الانسان الذي هم محور خلق الدنيا، فلا السعة تعني التفضيل، ولا الضيق يعني الاهمال او التقليل من القيمة والشأن، فكلاهما في الحقيقة من موارد الامتحان الالهي للعباد ليختبر شكرهم وطاعتهم واداءهم لحقه وخضوعهم لأمره، فلا يظنّ أحداً أنّ سعة الرزق هو فضل من الله أو ضيق الرزق هو نقمة من الله، فكلا الحالين يشملهما عدل الله في الحقوق التي تترتب عليها، وفي الجزاء المكافئ لذلك في الدنيا والآخرة.

وللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com