بحث في الرزق   2
 

عن أمير المؤمنين ع انه قال : [لَا يَملِكُ إِمسَاكَ الأَرزاقِ وَإِدرَارَها إِلَّا الرَّزَّاقُ]


بعد بيان الرزق في معناه الاسلامي من انه يشمل الرزق المادي بمفهومه الواسع الذي لا غنى عنه للانسان في كل مراحل عمره اضافة الى الرزق المعنوي الذي يفيض الله به عبده في هدايته وارشاده وتوفيقه الى ما فيه سعادته في الدنيا والاخرة، يكون لحديث الامام معناه المهم في ان انحصار الارزاق بيد الله سبحانه وحده دون سواه، فالله سبحانه يقوم بتدبير الكون كله بكل ما فيه فهو الخالق والمدبر لأمور العالمين جميعا كما في قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )

ورزق الانسان يدخل ضمن السلسلة التفصيلية التي يعجز الانسان عن تتبع اسبابها حتى تصل اليه، فهل يتصور الانسان مثلا ان التفاحة التي وصلت اليه كيف كان انباتها وسقيها وجنيها ومكانها وما جرى عليها من سنن وقوانين حتى وصلت اليه ليتناولها في طعامه وما ستتركه على جسمه من اثر وتغيرات محسوبة حسابا دقيقا منذ ابتدائها الى نهايتها!، فالتفاحة لم تسقط من السماء وانما زرعت بذورها لتنمو شجرتها عند سقيها بالماء، وجميع العناصر المسببة لحصول التفاحة الواحدة هي من الله وليست من خلق الانسان وصنعه، ثم بعد ذلك وصولها للانسان ضمن سلسلة الاسباب والمسببات التي تستند الى ارادة الله وعلمه الاولي السابق بذلك من قبل خلق التفاحة والارض والسماء والانسان، فالله لا يخفى عليه شيء ابتداء وانتهاء، فهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء، وهو المدبر لجميع الاشياء بتفاصيلها، ولكن الانسان الجاهل والمحدود الفكر والعلم تخفى عليه التفاصيل الدقيقة للتدبير الالهي، سواء في الخلق والايجاد او في تقسيم الارزاق وتوزيعها على البشر بما يناسب الرحمة الالهية التي تناسب كل انسان وما يقوم به من الاعمال المادية والمعنوية، والتي هي ايضا خاضعة لسنن الله وقوانينه الدنيوية في العطاء والتقدير، وفي النتيجة تكون كل الامور منحصرة بالله وقوانينه وسننه التي اوضحها في كتابه وعبر حججه في احاديثهم وادعيتهم او كما ورد في دعاء الافتتاح من التعبير: (ولعل الذي ابطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الامور)

 فالانسان مطالب في السعي والعمل بقوانين الله التي جعلها للعباد في الدنيا ولكنه مطالب بالدعاء والرجاء لله لتشمله سنن الله وقوانينه الاخرى التي تخفى عليه، فالتقدير يعود للخالق العظيم الذي هو ادرى بما يصلح للعبد في دنياه واخرته، وهو ما يكرره المؤمن في صلاته في سورة الفاتحة من قوله:(اياك نعبد واياك نستعين)، فالله بيده سعة الأرزاق وضيقها وبيده الامور كلها، فمن طلب الزيادة أو السعة فليطلبها من الله، ومن طلب القناعة والرضا وحسن الاختيار فليطلبها من الله، ومن طلب الفضل والرحمة والكرامة فليطلبها من الله، فالتقدير بيده وحده، فهو الذي بيده خزائن السماوات والارض، وهو القائل في كتابه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) فمن طلب الاشياء من غيره فلا ينال مقصده ويرجع بالخيبة والخسران .


وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com