بحث في الرزق  1
 

مقدمة البحث
 

   تعارف الناس اليوم على ان المقصود بالرزق هو ما يكسبه الانسان من خلال عمله اليومي كالعامل والكاسب والتاجر والاجير ومختلف اصناف الاعمال العامة او التخصصية كالطب والهندسة والعلوم والفنون وما شابه، الا ان مفهوم الرزق اسلاميا هو اكبر من المفهوم الضيق للرزق المادي حيث يشمل كل القضايا الحياتية التي تتوقف عليها الحياة للمخلوقات عامة وللإنسان بصورة خاصة، فكل جزء من اجزاء الانسان لا تدب فيه الحياة مالم تشمله عناية الله ورعايته ومدده وعونه، فالإنسان منذ لحظة خلقه كنطفة فعلقة فمضغة فعظاما الى ان يتكامل التكامل الاولي في بطن امه ليخرج الى الحياة ثم لتتكامل اجزائه الاخرى كنمو جمجمة الراس وما يعقبها من نمو الدماغ والاحساس والادراك والعظام والخلايا وما يتعرف عليه العلم من جديد من المعلومات المذهلة في مراحل الطفولة والصبا والكهولة انما يكشف عن عظمة الله في خلقه وحاجة الانسان في كل وقت اليه سبحانه سواء اكان في رحم امه او عند كبره في مراحله المختلفة وهو بعض ما بينه الله في كتابه عن معجزة الخلق فقال جل جلاله:

(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً {اي المني الذي يخصب البويضة} فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {وهو رحم الام}، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً{اي خثرة من الدم الجامد}، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً {اي لحمة بقدر ما يمضغ}، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا {حيث ينتقل الجنين بعد قطعه مرحلة "العلقة" و"المضغة" الى مرحلة جديدة تتبدّل خلاياه إلى خلايا عظميّة، ثمّ تكتسي بالتدريج بالعضلات واللحم}، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ {بنفخ الروح فيه ليتحول الى انسانا له المقومات الانسانية التي تميزه عن بقية المخلوقات}، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ).

او كما قال في تفصيل اكثر:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ،ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ، مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ، وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا).

   ويلاحظ في التعبير الالهي لخلق الانسان انه قال (مضغة مخلقة وغير مخلقة)، فالمضغة غير المخلقة هي التي تكون على شكل مضغة اللحم، اما المضغة المخلقة فهي التي تحولت إلى حالة العظام أوّلا، ثمّ اكتست باللحم ثانيا، لحماية الجسم من جهة فاللحم والعضلات هي التي تحمي العظام من جهة فلا تتعرض للكسر والتلف عند اول ضربة لها او عند اختلاف الاجواء من البرد والحر والمؤثرات المختلفة سواء في بطن امه او بعد خروجه الى عالم الدنيا، كما تكسبه الجمال لإخفاء قبح الهيكل العظمي وباقي الاجزاء الباطنية للبدن، فالمراحل التي يذكرها سبحانه للإنسان في بطن امه والتي لها مراحلها وعوالمها التي تظهر في كل لحظة فعل الله تعالى وقضاءه وقدره الى المراحل الاخرى للإنسان التي يواجه فيها الدنيا بكل فترات عمره حتى يتوفاه الله او يبلغ ارذل العمر الذي لا يعلم من بعد علم شيئا هو في كل لحظة يحتاج الى فيها الى رزق الله المادي والمعنوي لمواصلة حياته ابتداء من الاوكسجين وعوامل الخارجية للطبيعة التي لو تغيرت لانعدمت الحياة الى العوامل الداخلية المتعلقة بجسمه وعقله وروحه ففي كل لحظة يحتاج الانسان الى رزق الله من حيث يعلم او لا يعلم.


وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com