بحث في الرزق   11

الاعتدال في طلب الرّزق

عن الإمام الصّادق ع قال: 

[ لِيَكُن طَلَبُكَ المَعيشَةَ فَوقَ كَسبِ المُضَيِّعِ {اي المضيع لطلب الرزق بعدم الاهتمام بالتغيرات والمستجدات الجديدة في الوضع الشخصي او السياسي او الاجتماعي وما يتركه من اثار على العمل}، دُونَ طَلَبِ الحَرِيصِ الرَّاضِي بِالدُّنيَا المُطمَئنِّ إِلَيهَا {اي ليكن سعيك للرزق اقل من سعي الحريص المبالغ في شدة الطلب لتحصيل الرزق}، وَلَكِنْ أَنزِلْ نَفسَكَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المُنصِفِ المُتَعَفِّفِ، {اي سعي المتزن بلا افراط او تفريط فيكون منصفا مع نفسه في بذل الجهد متعففا عن طلب مالا يقدر عليه}، تَرفَعُ نَفسَكَ عَنْ مَنزِلَةِ الوَاهِي الضَّعيفِ ، وَتَكتَسِبُ مَا لَابُدَّ لِلمُؤمِنِ مِنهُ].

  بمعنى ان يكون المؤمن معتدلا في سعيه للرزق فلا يكون حاله كحال القاعد والمضيع للرزق، ولا كحال الطالب للدنيا الساعي فيها باكثر من طاقته وقدرته.
فعن الإمام الحسن ع قال:

[ لا تُجاهِدِ الطَّلبَ {اي طلب الرزق} جِهادَ الغالِبِ {اي كالحريص على الغلب والكسب}، وَلَا تَتَّكِلْ عَلَى القَدَرِ اتِّكالَ المُستَسلِمِ {اي تستسلم للامر الواقع عن ضعف ووهن}، فَإِنَّ ابتِغاءَ الفَضلِ مِنَ السُّنَّةِ {اي ان السعي في التطور والتكامل هو من الامور المستحبة}، وَالإِجمَالَ فِي الطَّلبِ مِنَ العِفَّةِ {اي ان عدم التهالك على الدنيا وعفة النفس عما لا يقدر عليه الانسان هو من رفعة النفس وكرائم الاخلاق}، وَلَيسَتِ العِفَّةُ بِدَافِعَةٍ رِزقاً، وَلَا الحِرصُ بِجَالِبٍ فَضلاً، فَإِنَّ الرِّزقَ مَقسومٌ، وَاستِعمالَ الحِرصِ استِعمالُ المَآثِمِ (اي المبالغة في الحرص تكون كالاثم والسيئة).
فالمطلوب من المؤمن هو ان لا يتقاعس عن طلب الرزق وان يسعى في تحصيله من ابوابه المحللة اذ لابد ان تجري الحياة بحسب السنن الالهية كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)

ورد عن رسول الله (ص) انه قال:

[ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى عَبدَهُ تَعِباً فِي طَلَبِ الحَلَالِ]

أي لابدّ من بذل الجهد والطاقة في تحصيل الرزق وضمان حلّيته وهو ما قال فيه الامام الصادق ع:

[ مَنْ لَم يَستَحِ مِنْ طَلَبِ المَعَاشِ خَفَّتْ مَؤُونَتُهُ، وَرَخَى بَالُهُ، وَنُعِّمَ عِيَالُهُ]

أي من كانت نيته في عمله هي لأجل الاستغناء عن الناس وعدم الحاجة إليهم ومساعدة الضعيف والفقير فإنّ ذلك يعدّ جهاداً في سبيل الله كما ورد في بعض الروايات، وعن الإمام الصّادق ع في حديث اخر قال:

[ كَفَى بِالمَرءِ إِثمَاً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ ]

أي إنّ من لا يعمل ولا يسعى في تحصيل الرزق لتقصير منه في ذلك فإنّه يكون قد أثم بحقّ نفسه وبحقّ أهله وعياله الذين وضع الله مسؤوليتهم في عهدته
الرزق الحلال، بل ان رسول الله (ص) قد حذر من ترك العمل الحلال فقال:

[ مَا مِنْ عَبدٍ استَحيَا مِنَ الحَلالِ إِلَّا ابتَلَاهُ اللهُ بِالحَرَامِ ]

(بمعنى أنّ من امتنع عن العمل الحلال استحياءً من عدم مناسبته لشأنه أو قدره، ابتلاه الله بالحاجة والاضطرار إلى الأعمال التي لا تخلو من الاشكال الشرعي او الحرمة).

ومسك الختام في هذا الموضوع الحديث الشريف عن رسول الله قوله :

[ مَنْ أَكَلَ مِنْ كَدِّ يَدِهِ حَلَالاً، فُتِحَ لَهُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ]

أي من كان كسبه من الحلال الطيّب ولم يدخل حراماً في عمله ولا في بضاعته ولا في معاملته ولا في ماله كان من أهل الجنّة المكرمين.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com