بحث في الرزق   10

الحرص لا يزيد الرزق

عن أمير المؤمنين ع قال:

(إعلَمُوا أَنَّ [العَبدَ] وَإِنْ ضَعُفَتْ حِيلَتُهُ، وَوَهَنَتْ مَكِيدَتُهُ فإِنَّهُ لَنْ يُنقَصَ مِمَّا قَدَّرَ الله لَهُ، [وَإِنَّ العَبدَ] وَإِنْ قَوِيَ فِي شِدَّةِ الحِيلَةِ وَقُوَّةِ المَكِيدَة أَنَّهُ لَنْ يُزَادَ عَلى مَا قَدَّرَ الله لَهُ).

   كثيرا ما يغفل الناس عن ان الارزاق مقدرة من الله لكل عبد من عباده بغض النظر عن مؤهلاته وقدراته الخاصة، فتجد ان شخصا تعرفه ببساطة فكره ومحدودية قدراته وقابلياته وقد يعجز حتى عن تدبير نفسه ولكن الله سبحانه يفتح امامه ابواب الرزق المادي، فحيث ما وضع يده في عمل أفاض الله عليه به من سعته وواسع رزقه، حتى انه قد يدخل احيانا في مشاريع يراها العاقل انها فاشلة حيث يلهمه الله المساهمة فيها، فاذا بالأحداث المستجدة تقلب الموازين فترتفع الاسعار او تشح المواد التي تاجر بها لتكون العاقبة له بربح وفير يفتحه الله عليه!،

   وقد يخرج من بعض الاعمال التي اعتاد عليها الى غيرها لملل او لتفكير ضيق فاذا بإرادة الله تشمله لينتكس سوق الاعمال التي كان فيها ويفتح الله عليه بالربح الواسع فيما ذهب اليه! ، وهو ما يؤكد ما مضى من البحث من ان الارزاق تعطى للعباد بما يقسمه الله لهم بغض النظر عن قدراتهم وقابليتهم وهو ما بينه سيد الانبياء والرسل في بعض احاديثه.

فعن رسول الله (ص) قال:
[إِنَّ الرِّزقَ لَا يَجُرُّهُ حِرصُ حَرِيصٍ وَلَا يَصرِفُهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ].

   أي إنّ حرص الإنسان على تحصيل الرزق والإلحاح في طلبه لن يزيد فيما هو مقسوم له، فلا ينبغي للمؤمن ان يكون شديد الحرص في طلب الرزق فيعطيه كل وقته وكل جهده وكأنه متوقف عليه، فإن لله الارادة فيه وفي تقديره بما ينعكس على صاحبه من الخير من حيث يعلم او لا يعلم فالأعمار والارزاق والاقدار بيد الله.

ولذا ورد عن الإمام الصّادق ع انه قال:
[إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَسَّعَ أَرزَاقَ الحَمقَى لِيَعتَبِرَ العُقَلاءُ وَيَعلَمُوا أَنَّ الدُّنيَا لَيسَ يُنالُ مَا فِيهَا بِعَمَلٍ وَلَا حِيلَةٍ ].

(بمعنى أنّ الأرزاق لا تعتمد على الذكاء والنشاط والمؤهّلات الشخصية وإنّما تتبع المقدّرات الإلهية للعباد في الأرزاق، وهو تنبيه لعدم غفلة الانسان عما خلق من اجله وهو السعي للدار الاخرة التي هي الاصل في وجوده في عالم الدنيا حيث ينبغي عليه العمل للأخرة خلال فترة وجوده في الدنيا ولا يستهلك كل وقته وعمره في طلب الرزق، او كما قال الله في كتابه الكريم: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

وهو ما اكده امير المؤمنين ع بقوله:
[ الحِرصُ يُنْقِصُ قَدْرَ الرَّجُلِ، وَلَا يَزِيدُ فِي رِزْقهِ].

   (أي إنّ سعي الإنسان بأكثر من القدر المعقول في بيع بضاعته أو شرائها أو الحاحه في الحصول على الرزق او الزيادة فيه لن يزيد في المقدار المقسوم له، فالأمر لله في الارزاق، وكما اوضحه الامام زين العابدين في الدعاء في صحيفته المباركة ان لو سعى العباد جميعا في زيادة الرزق او في انقاصه على احد من الناس لما استطاعوا ذلك، بل ان شدة الالحاح والحرص في طلب الرزق ينقص من قدر الانسان واحترامه عند الآخرين كما يوضحه حديث امير المؤمنين،
وفي ذلك مدعاة للتوجه الى الله فقط في كل ما يريده الانسان من امور الدنيا والاخرة لينال من فضله ورحمته ما وعد عباده بقوله: (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com