معرفة الحق   9

 

  عن الامام الرضا عن الامام زين العابدين ع قال :

«إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه (اي صورته ومظهره وطريقته في الكلام)، وتماوت في منطقه، (اي أظهر الضعف في نطقه وتعبيره وكأنه يوشك على الموت)، وتخاضع في حركاته (اي كانت حركاته وتصرفاته ذات سمة خاصة مميزة في اظهار الخضوع والانكسار)، فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها، لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها (اي جعل الدين وسيلة لصيد الدنيا)،  فهو لا يزال يختل الناس بظاهره (اي يخدع الناس بمظهره الديني من اطالة اللحية والمسبحة، او ارتداء الزي الاسلامي والتلبس بلباس الدين والعلم )، فإن تمكن من حرام اقتحمه (اي يستغل هذا المظهر لفعل الحرام كأخذ المال الحرام عندما تسنح له الفرصة باسم الدين)،

وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم (اي لا تغتروا بانه قد امتنع عن اكل المال الحرام)، فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر (اي ينفر عن المال ويعرض عنه لأن حاجته الماسة وشهوته العارمة ليس الى المال بل الى شيء اخر اكثر تأثيرا في نفسه كالتلذذ بالشهوات الجنسية الماجنة التي لا تقف عند حد)، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما،

فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويدا لا يغركم حتى تنظروا ما عقده عقله (اي ما استبطنه في عقله وما فكّر فيه وخطط للوصول اليه)، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين (اي ترك المال والنساء ولذائذ الدنيا معرضا عنها لا لحكمة بل لعقدة في نفسه او لفكر وعقيدة منحرفة عن دين الله كما يفعل البوذيين)، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله،

فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم، حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه؟ (اي لمن تكون الغلبة عنده للعقل ام الهوى)،

وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها، (فإن بعض الناس تشتد في نفسه حب الرئاسة بحيث يضحي من اجلها بكل شيء) فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك الدنيا للدنيا (اي يترك ملذات الدنيا المادية لأجل تحصيل شهوة اكبر في نفسه الا وهي شهوة الحكم والرئاسة)، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتى إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، فهو يخبط خبط عشواء (اي كمن يسير في ظلمة الليل لا يبصر طريقه لشدة الظلام)، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، (اي يقوده حب الرئاسة الى ارتكاب المحرمات الكبيرة للوصول اليها)، ويمده ربه بعد طلبه (اي يمده بعد سعيه لطلب الرئاسة) لما لا يقدر عليه في طغيانه (اي يمكنه من الرئاسة والسلطة والحكم بما يتمادى به في طلب الدنيا مما لا يستطيع فعله الا بارتكاب المحرمات والآثام وكبائر المهلكات التي تهوي به في قعر جهنم)، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته، التي قد يتقي من أجلها (اي ان تقواه الظاهرية التي بدت في اول الامر من امتناعه عن بعض الشهوات انما كانت لأجل الوصول الى سلطة الرئاسة والحكم)،

ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله (اي ان الرجل الصالح التقي هو الذي يقدم طاعة الله على هواه ورضا ربه على شهوات نفسه فتكون اعماله لله)، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل (اي يتحمل المعاناة والاذى والمكاره المادية والمعنوية بسبب ثباته على الحق، لأن في ذلك الذل الظاهري تكمن العزة الابدية والسعادة الاخروية التي تفوق العز الزائل واللهو العاجل)، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم، فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم فبه فتوسّلوا، فإنه لا ترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة».


   في هذا الحديث يوضح الامام السجاد معلما اخر من معالم معرفة الحق واهله وهو عدم الانخداع بمظهر الانسان الخارجي الذي يوحي بارتباطه بالدين والعلم او اية صفة دينية اخرى، فمنذ نزول الاديان السماوية الكبرى والشرائع الالهية باليهودية والنصرانية والاسلام والى التاريخ الحاضر يسعى بعض الناس لاستخدام الدين وسيلة للتجارة لكسب الدنيا وليس لكسب الاخرة، مستفيدا من التلبّس بلباس الدين وهيئته في الشكل والمظهر وطريقة الحديث او الخطابة بأسلوب كلامي مؤثر للوصول الى الاهداف الشخصية، فتراه يستخدم صوته وحركاته واشاراته بما يناسب الموقف والكلام حماسا او هدوء او تلاعبا بالعبرات، او ذرفا للدموع، حتى اصبح البعض محترفا في هذا الفن، وللأسف حينما يسود الجهل بالدين والتعصب الديني او المذهبي فان هذه التجارة يكبر سوقها ويكثر روادها والمشترين لها، وهو ما ينبه اليه الامام في حديثه هذا، فان للعلماء وللمتلبسين بلباس الدين عموما اثر على نفوس الناس بحكم تعظيمهم للدين، وبالتالي يسري هذا التعظيم لرجال الدين والمتلبسين بملبسه، وكأن ما يحملوه من كتب او ما تعلموه من علم قد اصبح جزء من ابدانهم وعقولهم وشتان ما بين العلم والعمل والقول والفعل، ولذا فان من يستفيد من لباس الدين والروايات التي تمجد العلم واهله استفادة سلبية فإنما هو يعمل للترويج لولاية المعممين وليس لولاية حجج رب العالمين وذلك لأجل تحقيق ما يريدوه من الدنيا باسم الدين والمذهب وهو ما يحتاج الى وقفة لإيضاح موقف الاسلام من علماء السوء والعلماء الربانيون.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com