معرفة الحق   8
 

   من خلال ما تقدم من الاحاديث حول قيمة العقل ومنزلته يتضح أن الحق والباطل يعتمدان اساسا على ثوابت الشريعة وقيمها الربانية التي انزلها الله في كتابه والتي هي ثابتة باقية مع بقاء الانسان وما يستلزمه من امتحان دنيوي يترتب عليه مكان الانسان وموقعه في الاخرة، ثم ينتقل التقييم في المرحلة التالية عند تعذّر الحصول على الحجج الشرعية او التباس الامر في ادلتها (كما هو الحال في المرحلة الحاضرة عند غياب المعصوم) الى ما يعرف بالثوابت الشرعية المحكمة كوضوح الادلة القرآنية والقرائن الحديثية المؤيدة لذلك ومن ثم ينتقل الى الثوابت العقلية للعقلاء او ما يعرف بسيرة العقلاء والمتشرعة والتي تعرض عليها القضايا وتوزن بها الامور سيما العملية منها ليتم على أساسها الرفض أو القبول، وهي تشمل عموما على جملة من الثوابت الشرعية والعقلية التي آمن بها العقل والعقلاء وأمضتها الشرائع السماوية وأرشدت اليها.

   فمن تلك القيم مثلا ادراك العقلاء كافة قبح الظلم بعقولهم لا بعواطفهم واحاسيسهم، وهو ما يوجب اجتنابه والذم لفاعله، او ادراك العقلاء كافة بحسن العدل والانصاف بعقولهم مما يوجب اتيانه واستحقاق الثناء لفاعله، فالظلم لم يكن قبيحاً لأن الشريعة نهت عنه أو القانون الوضعي قد منع فعله، بل لأنه الظلم قبيح بذاته لما يترتب عليه من اذى للمظلومين، فهو قبيح في المرحلة السابقة على الشريعة والقانون.

   وكذا العدل لم يصبح حسناً لأن الشريعة أمرت به أو القانون، بل لأنه حسن في ذاته وقد أمرت الشريعة به تأكيدا عليه، فحسنه ثابت في المرحلة السابقة على وجود الشريعة والقانون، فلو نهت الشريعة فرضا عن العدل لما صار العدل قبيحاً بل يبقى حسنا، ولو أمرت الشريعة بالظلم لما صار الظلم حسنا بل يبقى قبيحا، وذلك لان الظلم والعدل كل منهما يحمل خصائصه الذاتية بنفسه، فالظلم قبيح في حد نفسه، والعدل حسن في حد نفسه، آمن به الناس حتى الذين انكروا الاعتراف بالشريعة والمشرّع، وكذا الخيانة والامانة وبقية المكارم الاخلاقية التي يقبلها العقلاء وليس عموم الناس

   وعلى هذا فالظلم بلا شرع وفتوى هو قبيح، ومع الشرع والفتوى هو أيضا قبيح، تماماً كالظلمة والضياء في خصائصهما الذاتية، فانعدام الرؤيا في الظلام هي التي تجعل منه ظلاما، ووجود الرؤيا في النور هي التي تجعل منه ضياء، فكذلك الشريعة والفتوى لا تجعل من الظلمة ضياءً، ولا من الباطل حقا وانما هي تكشف عن الاشياء بطبيعتها التي جعلها الله عليها، ولذا يخطأ العالم بالدين او الفقيه عندما يتجاوز حدوده الخاصة بعلمه ووظيفته، فيصدر فتوى تعارض الاصول الدينية او الاصول العقلية التي لا يختلف عليها العقلاء، فهو في الواقع قد جعل من ذاته في هذه الحالة مشرّعا بديلا عن المشرع الاصلي وهو الله سبحانه، وهو عين الانحراف عما جعله الله بعهدته، وتجاوز منه على اختصاص غيره، فلكل شخص مسؤولياته ووظائفه الخاصة المتعلقة بعلمه.

   اضافة الى ان هذه الثوابت العقلية او التي يدركها العقل عموما تشكل جزءاً من شرع الله كما بين الله ذلك في كتابه بقوله: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] وما اكدته الروايات كذلك على ارتباط الدين بالعقل والتي تم استعراض بعضها سابقا، منها ما روي عن رسول الله بقوله: (قوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له). وما روي عنه (ص) كذلك انه قال: (اذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فإنما يجازى بعقله)، وفي حديث اخر عنه (ص) قال: (ان الاحمق يصيب بحمقه اعظم من فجور الفاجر، وانما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم).

مما يستدعي من اهل الايمان الرجوع الى العقل والبصيرة والحكمة في فهم الدين واحكامه وقواعده التي وضعها الشارع المقدس للوصول الى مرضاة الله فلا تكون هناك قدسية لشيء من الاعتبارات والمقامات والعناوين الا ما قدسه الله ورفع من شأنه ومقامه (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com