معرفة الحق   7

 

   تقدم الحديث عن ان الحجة الباطنة التي جعلها الله للإنسان من بعد الانبياء هي العقل اذ به يتمكن من تشخيص مطابقة الاحاديث الواردة عن المعصومين لكتاب الله، فلا يمكن لأنبياء الله وحججه من مخالفة كتاب الله في احاديثهم وقد بعثهم الله لتوضيحه وشرحه، فما ينسب لهم من احاديث تخالف كتاب الله فان العقل يرفضها ويبطلها بحكم ما جعل له من الحجية من قبل لله تعالى والتي بينتها احاديث المعصومين ومنها الحديث التالي عن الامام الصادق ع حيث قال:

(حجة الله على العباد النبي، والحجة بين العباد وبين الله العقل)

   فلولا وجود العقل وما اعطاه الله من قدرات طبيعية او مكتسبة في الفهم والادراك لضاعت الحقائق ولذهب كل فرد يمينا او شمالا في فهمه للدين والدنيا ولكانت هناك اديان ومذاهب بعدد فراد البشر، فالقيمة الكبرى التي اعطاها الله للإنسان تتجلى في قيمة العقل ودوره وهو ما اشارت اليه الروايات في تمجيد العقل

فعن رسول الله ص قال: (انما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين له لمن لا عقل له).


وعن الامام الباقر ع قال: (لما خلق الله العقل، قال له اقبل فأقبل (اي توجه نحو الله)، ثم قال له ادبر فادبر (اي استجاب لأمر ربه في الامر والنهي)، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا احسن منك، اياك امر واياك انهى واياك اثيب واياك اعاقب (اي ان التكليف الالهي يتوجه نحو العقل اساسا والجزاء يتوقف على نوع استجابته في المثوبة او العقوبة).


وعن الامام لصادق ع قال: (ان الله خلق العقل فقال له اقبل فأقبل، ثم قال له ادبر فأدبر، فقال له: وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا احب الي منك لك الثواب وعليك العقاب).
 

وعن الامام الباقر ع قال: (انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما اتاهم من العقول في الدنيا).


ولذا كان التأكيد في الاسلام على قيمة العقل ودوره في هداية الانسان
فعن رسول الله (ص) قال: (اذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله فإنما يجازى بعقله)


   وهو ما يبين ان الاكثار من العبادة او العمل الصالح الوقتي الذي يقوم به بعض الناس من دون وعي وانتباه لمقاصد الدين واهدافه لا يكون دليلا على صلاح الانسان فالأصل هو الفهم الصحيح لمقاصد الدين ثم الثبات على مفاهيمه وقيمه والاستقامة فيه من دون انحراف في الافراط او التفريط .


فعن رسول الله(ص) حين اثنى قوم على رجل امامه، فقال كيف عقل الرجل؟
قالوا يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة واصناف الخير فتسألنا عن
عقله؟
فقال ص: (ان الاحمق يصيب بحمقه اعظم من فجور الفاجر، وانما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم).


  وهو ما يدل على ان الاحمق قد يفهم الآية او الحديث او الحكم الشرعي فهما منحرفا يوقعه بأشد الاعمال عقوبة وبعدا عن الله، كما قد ينال المؤمن الواعي الدرجات العلى عند الله عندما يحسن العمل في زمانه ومكانه المناسب متأسيا بما فعله امير المؤمنين في معركة الخندق من عمل ادى الى ان تفوق عبادته عبادة الثقلين من الجن والانس.
ومثل ذلك ما ورد عن الامام الصادق ع عندما ذكر عنده رجلا في حسن عبادته وفضله فقال: كيف عقله؟ قال القائل لا ادري،
فقال ع: (ان الثواب على قدر العقل).
اي من كان عقله صغيرا او ضيقا فانه ينحرف عن الدين بالزيادة والنقصان والافراط والتفريط ولو وضع على رأسه الف عمامة او علامة للدين ومهما بلغت في الطول لحيته ومظاهره الدينية، فالأصل في العبادات هو حسن الفهم والادراك لقيم الدين اولا ومن ثم تكون للأعمال قيمتها.


وهو ما اوجزه رسول الله (ص) بقوله: (قوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له).
وهو ما ورد فيه عدد من احاديث المعصومين
فعن امير المؤمنين ع قال: (كفاك من عقلك ما اوضح لك سبل غيك من رشدك)
وعن الامام الصادق ع قال: (العقل دليل المؤمن) كما ورد عنه قوله كذلك:
(من كان عاقلا كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة)
وعن امير المؤمنين ع قال: (على قدر العقل يكون الدين وعلى قدر الدين تكون قوة اليقين)
ولذا بين رسول الله (ص) دور العقل فقال: (ان العقل عقال من الجهل، والنفس مثل اخبث الدواب فان لم تعقل حارت).


اي لولا وجود العقل لكان الانسان كالدابة همها علفها ولكانت البشرية في صراع ودمار من اجل الشهوات والمصالح الذاتية من دون حد وحدود الا الخضوع لقانون القوة
كما قال (ص) في حديث اخر: (لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته لربه) والاحاديث كثيرة في بيان مركز العقل في العبادة،
فعن الامام الرضا ع قال: (لا يعبأ باهل دين لا عقل له).
عن الامام الصادق ع قال:(ان منزلة القلب من الجسد بمنزلة الامام من الناس الواجب الطاعة فيهم).
عن الامام الكاظم ع قال: (ما بعث الله انبيائه ورسله الى عباده الا ليعقلوا عن الله {اي ليعرّفوا الناس بربهم وما يريده منهم}، فاحسنهم استجابة احسنهم معرفة لله، واعلمهم بأمر الله احسنهم عقلا، واعقلهم ارفعهم درجة في الدنيا)
وعن الامام الكاظم ع في حديث اخر قال: (قال قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف وكثير العمل من اهل الهوى مردود).
وعنه ع كذلك قال: (ان الله جل وعز اكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة)
وفي ذلك قليل من كثير مما ورد في قيمة العقل والذي يجب ان يؤخذ في تقيم الدين اعتبارا من الاحاديث الى التفاسير والى الفتاوى والاحكام الشرعية في زمن الغيبة خاصة فلا يجوز قبول اي حديث كان لكونه يحمل اسم الائمة ع من دون تمحيص وعرض على الثوابت الاسلامية.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com