معرفة الحق   6
 

عن الامام الكاظم ع قال:

[ان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والانبياء، وأما الباطنة فالعقول]

   لم يكن الله ليترك العباد من دون دليل وبيّنة وهو القائل في كتابه:  (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) ، ولذا اقتضت حكمته ان يرسل الكتب السماوية مع الانبياء والرسل ليقوموا بتوضيحها وبيان ما خفي على العباد من العلم بالله وباليوم الاخر والمعرفة بأحكامه وحدوده، فالميزان والمرجع في الوصول الى احكام الله في الحلال والحرام والتكاليف الالهية هو ما بيّنه الله نفسه في كتابه، اما مهمة الانبياء والحجج المعصومين الاولى فهي شرح وتوضيح كلام الله الذي ارسله معهم في كما في قوله تعالى::

(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ )

(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)

(فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)

(فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)

    ثم المهمة الثانية لحجج الله فهي اقامة شرع الله واحكامه بين الناس عندما تتاح لهم الفرصة بذلك او عند الاستطاعة والقدرة، وهو ما اوضحته الآيات بصورة جلية، كما في قوله تعالى:

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)

( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ )

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

  ومثل هذا المقام الكبير من التبليغ لأحكام الله في كتابه والذي جعله الله بعهدة انبيائه ورسله اقتضى ان يكون لهم عصمة خاصة من الله وموقع خاص في الرسالة بما اوحى اليهم كتابه كما اوضحه بقوله:

(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ)

(سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ)،

   فلا يقاس بأنبياء الله وحججه احد من الناس لا العلماء ولا الفضلاء ولا الاتقياء ولا غيرهم مهما كانت رتبته او فضيلته او اسمه وعنوانه، وقد تطرق اهل البيت وخاصة امير المؤمنين في نهج البلاغة الى هذا الموضوع لإتمام الكلام فيه باعتبارهم الحجة الظاهرة لله تعالى، فعند وجودهم مع الكتاب تكمل الحجة الالهية الظاهرة على العباد حيث يعضد احدهم الاخر، فلا يمكن لحجج الله ان يخالفوا كتاب الله كما تقدم شرحه فيما مضى، اضافة الى ان احاديثهم الصحيحة الصادرة عنهم لا تخالف العقل وهو الحجة الباطنة لله تعالى.

   الا ان مدار البحث هو الفترة الاستثنائية من تاريخ البشرية وهي الفترة التي لا يتواجد فيها حجة الله في مقامه القيادي الظاهر للناس، والذي حدث بسبب غيبة الامام المهدي حتى تتكامل الشروط العالمية التي يظهر فيها لقيادة العالم، وحينها ستكون الامور في وضعها الطبيعي من وجود كتاب الله مع حجة الله المعصوم الظاهر للناس فيتابعون حديثه ومواقفه والتي تتعاضد مع القران كما في الحديث المشهور (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، فهذه الفترة الاستثنائية هي مدار البحث في الحجية، فان القضية التي لا خلاف عليها بين المسلمين هي ان كتاب الله هو حجة الله على العباد فيما نزل فيه من الآيات، اما توضيح المعاني والتكاليف الالهية واقامتها بين الناس والتي تكون مرتبطة بوجود الحجة المعصوم فهي مفقودة في هذه الفترة الا ما صح نقله عن حجج الله ومن هنا تبدأ المشكلة، اذ يتفق اغلب المسلمون ان هناك كثير من التحريف والتغيير تعرضت له الاحاديث الشريفة بعضها لدوافع سياسية ومصلحية وعقائدية معادية للدين قد حدثت عبر هذه المدة الطويلة من الزمن بعد وفاة النبي (ص)، ولذا تحتاج الروايات الى التمحيص والتدقيق، وفي هذا المقام تظهر قيمة الحجة الباطنة وهي العقل في تشخيص مطابقة تلك الاحاديث الواردة عن المعصومين لكتاب الله، فلا يمكن لأنبياء الله وحججه المعصومين من مخالفة كتاب الله في احاديثهم، وما تنسب لهم من احاديث تخالف كتاب الله فان العقل يرفضها ويبطلها بحكم ما جُعِلَ له من الحجية من قبل الله تعالى والتي بينتها احاديث المعصومين، ومنها الحديث التالي:

  عن الامام الصادق ع قال: (حجة الله على العباد النبيّ والحجّة فيما بين العباد وبين الله العقل) ، اضافة الى الاحاديث الكثيرة حول تمجيد العقل لأهمية مقامه ودوره الذي يحول دون تحريف الدين والتي ستتناولها الحلقة القادمة بأذن الله

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com