معرفة الحق   5
 

عن الإمام الصادق ع قال:

[خطب النبي (ص) بمنى فقال : أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله].

   يوضح هذا الحديث المحور الاساسي الذي ينبغي ان تقاس عليه اعمال الانسان وهو مدى مطابقة اعماله وافعاله لكتاب الله، حيث يوضح النبي ص وهو رسول الله وسيد رسله وحجته على العالمين والذي ارسل الله معه الكتاب وجعله موضحا له ومترجما لمعانيه ومبينا لتفاصيل احكامه وموضحا لما استتر من مفاهيمه وفرائضه وحدود حلاله وحرامه، والذي جعل طاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله كما قال في كتابه:

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفيقا).

    فإن هذا النبي العظيم يوضح في حديثه ان المحور الاساسي هو كتاب الله، وان ما يأتي به من التكاليف والمفاهيم لا يمكن ان تخالف كتاب الله، فهو لا يأتي بأحكام من عنده او احكام تخالف القران، فقد سبقه الله بقوله في كتابه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) ، وهو ما يزيل كثيرا من الالتباسات والاوهام والتصورات المنحرفة التي يقع فيها بعض المغالين من جهة والمتحجرين من جهة اخرى في فهمهم للدين ولأحكامه الشرعية، فمن المحال ان يخالف او يناقض حديثا نبويا القران الكريم، وكذلك هو الحال فيما يصدر عن حجج الله من بعده، وهو ما اوضحه الامام الرضا ع بقوله :

 [إن الله حرم حراماً وأحل حلالا وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله، وفي تحريم ما أحلّ الله، فذلك ما لا يسع الأخذ به  (اي لا ينبغي ان يعتبر الحديث حديثا صحيحا اذا خالف كتاب الله او كما ورد في روايات اخرى يضرب به في عرض الحائط)، لأن رسول الله (ص) لم يكن ليحرم ما أحل الله ولا ليحلل ما حرم الله، ولا ليغير فرائض الله واحكامه، وكان في ذلك كله متبعاً مسلّماً مؤدياً عن الله وذلك قوله تعالى: (إن أتّبع إلّا ما يوحى إليّ)، فكان (ص) متبعاً لله مؤدّياً عن الله ما أمره به من تبليغ الرسالة،...فما جاء في النهي عن رسول الله (ص) نهي حرام (اي ما نهى عنه النبي وحرمه وهو نهي من الله) ثم جاء خلافه (اي يحلل ما حرمه النبي)، لم يسع استعمال ذلك، وكذلك فيما أمرنا به (اي ما اوجبه من تكاليف)، لأنّا لا نرخص فيما لم يرخص فيه رسول الله، ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول الله فلا يكون ذلك ابدا (وهو ما يعني ان حلال محمد (ص) هو حلال الى يوم القيامة وحرامه هو حرام الى يوم القيامة)، لأننا تابعون لرسول الله، مسلّمون له كما كان رسول الله تابعا لأمر ربه مسلّماً له].

   وهو ما يعني أن اقوال النبي والائمة عليهم السلام خاضعة لمقياس العرض على القران رغم منزلتهم العظيمة التي انزلهم الله فيها، ومن هنا يتبين ان اقوال الاخرين جميعا وبضمنهم الفقهاء ينبغي ان يلاحظ فيها مطابقتها وانسجامها مع القران حتى وان تضمنت الروايات المنسوبة الى الائمة وتجيز العمل بخلاف القران، اذ من المحال ان تكون روايات النبي والائمة المعصومين مخالفة للقران كما تقدم، فالحلال والحرام هو ما احله وحرمه الله سبحانه وليس لاحد الاضافة فيه بزيادة او نقصان وحتى من الانبياء والاولياء، فإن تمام عملهم هو التبليغ عن الله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ،فما كان سعي الانبياء الا التبليغ برفع الحجب وكشف الحقائق ليتبين للناس الحق من الباطل فلا يضلون السبيل عن طاعة الله والتمسك بأمره.

   واذا كان هذا عمل الانبياء والاولياء فمن الواجب على العلماء والفقهاء ان لا يخرجوا عن هذا الطريق في الارشاد والدعوة الى الله والتبليغ عنه بغير ما انزله الله في كتابه، وليس لاحد منهم حق الولاية والتدخل في القضايا الشخصية للمكلف والتي هو اعرف بها من الفقيه ذاته، فليس الحرام هو ما حرمه الفقيه ولا الحلال ما أحله ، بل لابد من عرض فتاواه واقواله على ثوابت التحريم والتحليل في الدين بما اختصه الله لنفسه وما جعل لحججه المعصومين من السعي في اقامة حقه، فليس للفقيه طاعة بمعزل عن طاعة الله، وليس له طاعة فيما خالف فرائض الله من واجبات ومحرمات ، والاعتقاد بأنّ الفقيه هو مصدر التحليل والتحريم هو اعتقاد فاسد لا تجد له اية من كتاب الله ولا رواية صحيحة من نبيه او حججه المعصومين وانما الامر كله لله يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره  ( يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ).

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com