معرفة الحق    4

 

عن الإمام الصادق(ع) عندما سئل عن اليهود والنصارى الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله

 فقال (ع): [أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً، وحرموا لهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون]،

وفي رواية أخرى عنه ع قال: [والله ما صاموا لهم ولا صلّوا لهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا لهم حلالا فاتّبعوهم].

   والمستفاد من هذين الحديثين أن جملة من اليهود والنصارى اخذوا الحق بالاعتماد على الرجال او على الشخصيات الدينية او المراجع المعتمدة عندهم في الدين وهم الاحبار والرهبان (او المشايخ والسادات او قادة المذهب عموما مهما تبدلت اسمائهم والقابهم)، فاعتقدوا أن الحلال هو ما أحله الرهبان والأحبار، وأن الحرام هو ما حرموه، ولم يرجعوا الى الاسس الشرعية او الثوابت من حرام الله وحلاله لمعرفة مدى علاقة فتاواى هذه المرجعيات الدينية بالموازين الشرعية وهل انها تمثل احكاما لدين الله مستمدة من شريعة الله او انها تمثل اراء فردية لهم، حيث تعتبر تدخلا منهم في المواضيع التي هي خارجة عن تخصصهم من المواضيع الحياة المختلفة من امثال الطب والهندسة والزراعة والصناعة والادارة والاقتصاد والسياسة وتشعباتها المعقدة.

    فمثل هذه الموضوعات تتطلب رجالها المتخصصين بها الذين يستطيعون تقدير الواقع بناء على تشخيصهم العلمي، فمثلا عند اجراء العمليات الجراحية وطريقتها ومكانها ووقتها ومستلزماتها السابقة واللاحقة ينبغي ان يرجع فيها الى الطبيب المتخصص وليس الى العالم بالدين، حيث يعتبر تدخله في هذا الموضوع هو خارج عن تخصصه الديني فلا يكون لرأيه قيمة علمية مادام لم يدرس الطب، بل حتى في المواضيع الدينية لا يرجع للمرجع في تشخيص الواقع العملي للحكم الشرعي (او ما يعرف دينيا بالمصاديق العملية للأحكام الدينية) فالأمر يعود الى المكلف بالعمل وليس الى الفقيه.

   فلو كان هناك إناءان مثلا في احدهما ماء يحل شربه وفي الاخر خمر يحرم شربه، فان الفعل او تشخيص الواقع يرتبط بالمكلف والوسائل التي يستطيع استخدامها في تشخيص الخمر من الماء، ولا يرتبط بالفقيه او العالم بالدين، فالفتوى ينبغي ان تكون في الامور الدينية البحتة اولا، كما ينبغي ان تكون مطابقة للقيم والموازين الشرعية ومستمدة منها ثانيا، وان لا تتعدى الى النظريات والآراء الفردية الخاصة ثالثا، فليس المرجع (مهما كان مستواه العلمي) معصوما لتكون لارائه الخاصة عصمة موجبة للتعبد بها والالتزام بها كما هو الحال مع الانبياء والائمة المعصومين من حجج الله، بل ان من شأن المرجع المتقي ان يبيّن للناس ان هذا هو رأيه الشخصي واعتقاده الخاص به كحال عموم الناس الذين يبدون أراءهم في القضايا العامة فلا يترتب على ذلك اوامر الزامية وعلى العمل خلافها مخالفات شرعية، وهو عادة مالا يفعله العلماء الطواغيت الذين يريدون ان يخضعوا الناس الى أراءهم فوقع الناس من جراء ذلك في عبادة الأحبار والرهبان من حيث لا يشعرون.

    ولذا أدان الله امثال هؤلاء الناس وذمّهم في كتابه الكريم وندّد بهم وبتقليدهم الأعمى الذي لا يقوم على الاسس الشرعية والثوابت المنقولة والمعقولة فاكتفوا بقول المرجع في كل الامور حتى في الامور التي لا تخصه وكأنه امام معصوم، وانما يحدث ذلك بسبب الجهل بعمل المرجع الديني ووظيفته وعدم ادراكهم لنوع درسه وطبيعة عمله الذي يرتبط بذلك الموضوع، وهو ما ينشأ عادة من احاطة المرجع او القائد بأطر التقديس والعصمة التي تعطل لعقول وتتجاوز الثوابت الدينية وتنزل العالم منزلة المعصوم بحيث تجعل طاعته كطاعة الله ومعصيته كمعصية الله، وهو اختصاص من الله لحججه فقط وتمييزا لهم ولدورهم الرباني الرسالي عن بقية الناس.

    فوقع المغالون في تقديس المرجعية في المعاصي من حيث لا يشعرون وعبدوا غير الله من حيث لا يعلمون، باتباعهم اقوال علمائهم وآرائهم الشخصية، فذمهم الله بذلك، اذ كان عليهم أن يعرضوا أقوال أحبارهم ورهبانهم على كلام الله وأحكامه في الكتاب المقدس فيأخذوا بالموافق لها ويطرحوا المخالف، لأن الحق والباطل والخطأ والصواب لا يرتبطان بالأشخاص والعناوين والمقامات، فلا يصح ان يعتبر الحق والباطل والحرام والحلال هو ما يحقه او يحله الاحبار والرهبان وان الباطل هو ما يبطله الرّهبان والأحبار، فان الدين لا يقاس بالرجال بل الرجال يقاسون بالدين، فاستحقّوا بذلك التّنديد والذمّ والوعيد من الله سبحانه وتعالى. كما ورد عن امير المؤمنين ع ما يشير الى هذا المعنى في روايات عدة مفادها ان التمسك بجانب من الدين او ببعض مظاهره لا يعني الالتزام بكل الدين حيث قال ع :

  [إحذروا على دينكم ثلاثة: رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رأيت عليه بهجته اخترط سيفه على جاره ورماه في الشرك (اي انه في الوقت الذي يبدو عليه القراءة المؤثرة للقران فانه لا يبالي برعاية الدين في موازينه فيسارع الى اتهام الاخر بالكذب واقامة الحد عليه)... ورجلاً استخفّته الأكاذيب (اي غلب عليه الكذب فلا يبالي بكثرة الكذب والمبالغة فيه)، كلّما حدّث أحدوثة كَذبٍ، مدّها بأطول منها، ورجلاً آتاه الله سلطاناً فزعم أن طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله !، وَكذِبٓ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا ينبغي أن يكون المخلوق حبّه لمعصية الله (اي لا ينبغي للإنسان ان يحب معاصي الله فكيف لمن يدعي الايمان) فلا طاعة في معصيته (اي لا يطاع المخلوق عند معصيته للخالق)، ولا طاعة لمن عصى الله، إنما الطاعة لله ورسوله ولولاة الأمر، وإنما أمر الله بطاعة الرسول لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصيته، وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصيته].

    وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم المطلقة من دون اعتراض هم المعصومون فقط، اما غيرهم فهم لا تشملهم العصمة ولا تنالهم القداسة التي تخرجهم عن اطار البشرية، كما ينبغي للمومن ان يعلم حدود الدين وموقع الافراد فيه بالحدود التي وضعها الله لهم بالعلم واليقين وليس بالتصورات والاوهام.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com