معرفة الحق   3

عن أميرالمؤمنين ع قال:
«لا يعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله» (ميزان الحكمة ٢)


  
الاصل في الاعتقاد الديني، هو معرفة الأسس والمفاهيم الصحيحة التي يقوم عليها الدين بصورة واضحة ودقيقة تنفذ الى الروح والعقل وتملا الفكر والوجدان بخصائص الدين التي ينبغي للمؤمن ان يلتزم بها في حياته فكرا وسلوكا وعملا لتعينه في تشخيص طريق الحق من الباطل والهدى من الظلال، ثم يكون بعد ذلك ميزان الاخرين وفقها، فمن كان مع هذه الأسس الدينية فكرا وقولا وعملا فهو على الحق والهدى، ومن كان خلافها فهو على الباطل، فان الميزان اساسا هو الميزان الفكري الذي يقاس به الاخرين، اما الشخصيات الدينية فانه مهما كانت كبيرة في منزلتها الاجتماعية او السياسية او التاريخية فهي لا تمثل الحق المطلق مادامت غير معصومة وقابلة للانحراف والتغيير، فليست الاسماء والعناوين للرجال هي التي تحدد الحق والباطل، فبعض من الناس كانوا في اعلى المواقع سياسيا او اجتماعيا ولمدة طويلة من الزمن ولكنهم انحرفوا بعد ذلك منهم من كان في زمان النبي ومنهم من كان في الزمان الذي بعده والى يومنا الحاضر، فالنفوس عبر التأريخ عند تعرضها للفتنة والاغواء الشيطاني وتمر في اوقات الامتحان الحقيقي فان بعضها لا يستقر على موقفها الاول وتنحرف عنه كما ذكر الله بعض قصصهم واخبارهم في كتابه المجيد كما في الآيات التالية:


(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث، ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ)
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)


   ولذا يبقى الأصل الفكري والعقائدي هو المحور الثابت في التقييم وما سواه قابل لانحراف والتغيير وهو ميزان دقيق لمعرفة من هو على الحق ومن هو على الباطل فان الرجال يقاسون على الحق وليس الحق يقاس على الرجال.


عن أمير المؤمنين ع قال:
«إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله»


وعن الامام الباقر ع قال :
(مَا أكثَرَ الوَصفَ وَأقَلَّ الفِعلَ، إنّ أهلَ الفِعلِ قَليلٌ، ألَا وَأنا أعرِفُ أهلَ الفِعلِ وَالوَصفِ مَعا (أي ان المدعين بالالتزام بالحق والمفاهيم الدينية هم كثيرون الا ان العاملين بهذه المقاييس الدينية والثابتين عليها هم قلائل وهم معروفون عند الامام بواقعهم واعمالهم وليس باحاديثهم وادعاءاتهم)).


  فالميزان العملي للتقييم يعتمد على سلامة الاسس الدينية التي يقوم عليها دين المؤمن اولا من حيث اعتمادها على الاسس الشرعية المتينة وليس على الهوى والميل الذاتي ثم يقاس الاخرين بعد ذلك وفقها فان كانت سليمة كان التقييم سليما وان كان ناقصا او منحرفا كان التقييم خاطئا وبعيدا عن الموضوعية.


   وهو ما نبه الله اليه المؤمنين من عدم الاستعجال في الحكم الا بعد ثبات الاسس الفكرية والرجوع لأهل الحكمة والعلم كما في حديث الافك فقال تعالى : (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ).


  كما قال تعالى في اخبار الشائعات واحاديثها وضرورة الرجوع الى اهل الخبرة والعلم الايات التالية :
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ).


   اما اذا كان الحكم اعتمادا على الافراد فقط سيما الكبراء والسادة فستكون النتائج سيئة يوم القيامة وعندها لا ينفع الاعتذار كما قال الله في كتابه: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com