معرفة الحق    2

 

عن الامام جعفر الصادق ع قال:
«من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه»
 

  اي من اخذ دينه او مذهبه اعتمادا على الثقة بالأشخاص من خلال عنوانهم الاجتماعي او السياسي (والذي يعني ان التزامه بالمذهب نابعا من العاطفة والهوى والمحبة للأشخاص فسايرهم في المعتقد والعمل والسلوك)، ولم يكن اعتقاده من قائما على العلم والبينة والتحقيق في الامور لمعرفة الحق من الباطل، فان مثل هذا النوع من الافراد يسهل تغيير رأيهم وتبديل موقفهم من القضايا والمعتقدات عند تغيير هواهم وميلهم النفـسي نحو الاشخاص، وذلك لان الاساس كان مبنيا على العاطفة والهوى وليس على الفكر والتمحيص فيمكن تغيره مجددا بنفس الاسلوب.
ثم يتم الامام حديثه قائلا:
«ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة زالت الجبال قبل أن يزول» (الغيبة للنعماني ٥/٣)


  
اي من كان ايمانه مبنيا على الدليل والبينة من الكتاب والسنة والعلم والعقل فان ايمانه يكون صلبا ثابتا لا يتزعزع كثبات الجبال وتماسكها.
   والمراد من الحديث انه من اخذ بالدين عن عقيدة وفهم وبصيرة، فان اعتقاده لا يتأثر بمواقف الناس وتغيرات الاحداث السياسية والاجتماعية، اما من دخل في الدين من خلال تأثره بالشخصيات المنتسبة اليه، فانه سرعان ما يتركه عندما يتغير موقفه من اولئك الاشخاص كرها او تشككا بمصداقيتهم (كما لو اكتشف ان هذه الشخصيات مخادعة ولا تريد الّا مصالحها الخاصة وانها تستغل الدين لأغراضها الذاتية)، وهو ما يفسر اليوم ردود الافعال والانحرافات التي تحصل في المجتمع عند بعض الناس في مواقفهم الدينية او السياسية بسبب السطحية في التعامل مع الدين والانخداع بالقشور والمظاهر الدينية والتي تترك اثرها على تدين الافراد وسوء نظرهم للدين واهله فيما بعد، وهو بعض ما يستهدفه الحديث من التنبيه الى ان المظهر الديني في الشكل والملبس والتحدث ببعض الموضوعات الدينية لا يجعل من المتحدث مثلا اعلى للدين.

   فما اكثر الروايات والآيات التي تؤكد على الفكر والتدبر في اصول الدين ومفاهيمه وقيمه لا في مظاهره الخارجية، فان المظهر الديني لا يعكس حقيقة تدين الانسان ولا صحة اعتقاده، كما ان من ينقل الاحاديث والروايات سواء في خطب الجمعة او في المجالس الدينية او في حلقات الدرس وتعليم الدين لا يعني انه ان الناقل قد اصبح نموذجا اعلى للدين واهله، فان الحديث من دون علم واستيعاب للمعاني الدينية بعقل منفتح، او من دون تطبيق والتزام وتصديق قلبي لها من قبل المتحدث لا ترفع من قيمة القائل عند الله ولا تترك اثرها في الواقع الاجماعي، فهو بمنزلة من لم يعلم ولم يفهم، هذا ان يكن من المستغلّين للدين والمستفيدين منه في تحصيل الدنيا من امثال وعاظ السلاطين والمستأكلين بالدين، فهؤلاء حطب جهنم الذين اشتروا الدنيا بالأخرة فويل لهم من النار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾


   ولذا تعددت الآيات والروايات التي تنبه الى ضرورة اقتران القول بالعمل وعدم الاكتفاء بالاحاديث ليكون للحديث وقعه في القلب وليتميز اهل الصدق عن اهل النفاق وطلاب الدنيا كما في الآيات التالية:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

  ومثل ذلك من الاحاديث الكثيرة التي تؤكد على ضرورة اقتران القول بالعمل لتتبين حقائق الناس ومنزلتهم الواقعية ومدى فهمهم للدين ودرجة التزامهم بذلك.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com