معرفة الحق   1

 

عن أمير المؤمنين ع قال:
[إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله].
 

كثيرا ما يتحير الناس في مواقفهم السياسية او الاجتماعية وخاصة عند حدوث الفتن والاختلافات السياسية بين افراد المجتمع، فيذهب الناس يمينا او شمالا تجذبهم الاهواء والمصالح ويلتبس عليهم رؤية الحق وتشخيصه، وهو ما حدث في زمن أمير المؤمنين عندما بايعه الناس على الخلافة، حيث اعتزلت بعض الشخصيات المعروفة اجتماعيا وأعرضت عن البيعة له، كما ان بعضا من اخر من الذين بايعوه نكثوا البيعة وانقلبوا عليه بعد ان وجدوا صرامته وصدقه في تطبيق شرع الله بالحق حيث اجتمعت قياداتهم في البصرة ثم كانت بعدها واقعة الجمل، ومثل ذلك الانحراف حدث مع الفئة التي كانت تسمى بالخوارج والتي ادى اجرامهم وحماقتهم وفهمهم السطحي للدين الى وقوع معركة النهروان، واخيرا ما حدث مع الطامعين في السلطة من الخط الاموي المنافق والذي تصدى الامام لحربهم في معركة صفين والتي اوشكت بانتصاره لولا تصديق الجاهلين والسذج بخدعتهم عندما رفعت المصاحف حيلة فأجبروا الامام على التحكيم وكان ما كان من نتائجها المرة على الامة، فجميع هذه الفتن كان منشأها هو الفهم الاعوج والمنحرف للدين من ذوي العقول المتحجرة او الطامعين بالحكم طمعا في الدنيا وزينتها والذين عملوا على تغير قيم الدين ومفاهيمه لتحقيق اهدافهم ومقاصدهم الشخصية، مما اضطر امير المؤمنين والائمة المعصومين الى توضيح الاسس الصحيحة في التقييم الديني للاحداث والاشخاص في عدة مناسبات وهو ما سيتناوله هذا البحث في عدد من الحلقات بصورة مختصرة.


نُقلت كتب التاريخ ان الحارث بن حوط الليثي دخل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال له: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة أضحوا إلّا على الحق!
فقال ع: «يا حارث إنك نظرت تحتك، ولم تنظر فوقك، فجزت عن الحق
(اي تجاوزت الحق او انحرفت عنه)، إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه، والباطل باجتناب من اجتنبه».
(وهي قاعدة مهمة في معرفة اهل الحق من الباطل حيث يلزم معرفة الحق اولا ليمكن من بعدها معرفة اهله وهم الذين تمسكوا بقيمه والعاملين به).


فقال حارث وقد التبست عليه الحقائق: فهلا أكون كعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك؟
(اي يكون موقفي كموقف سعد بن ابي وقاص وعبدالله بن عمر عندما اعتزلوا ورفضوا البيعة والتأييد لأمير المؤمنين بالخلافة، بمعنى هل اتخذ موقف الاعتزال من الاطراف كلها ولا اكون مع طرف منهم؟)


فقال أمير المؤمنين ع: «إن عبد الله بن عمر وسعدا خذلا الحق، ولم ينصـرا الباطل
(اي ان موقفهم كان سلبيا تجاه نصرة الحق ويعتبر وقوفا مع الباطل وان لم يجهرا بالحرب على الامام)، متى كانا إمامين في الخير فيتبعان؟»


ذلك ان موقف عبد الله بن عمر من بيعة أمير المؤمنين معروف بين الناس، فعندما اجتمع الناس بغالبيتهم على بيعة امير المؤمنين من كل جانب بعد مقتل عثمان بن عفان، وبتعبير الامام عن ذلك بقوله: « فما راعني إلّا والناس إليّ كعرف الضبع (اي كالشعر الذي يكثر حول عنق الضبع، ويضرب به المثل في الكثرة والزحام الشديد)، قد انثالوا عليّ من كل جانب (اي قد انهالوا وتتابعوا مزدحمين متكاثرين من كل الجهات)، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي» (اي شق عطف الرداء او جانبه لشدة الزحمة من الناس)،

   فقد كان موقف عبد الله بن عمر في حينها هو الاعتزال ورفض بيعة أمير المؤمنين، فتركه الامام وشأنه دون ان يفرض عليه البيعة، ومن سخرية الأمور ان عبدالله بن عمر في الوقت الذي امتنع من بيعة امير المؤمنين علي ع ، طرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كي لا يبيت تلك الليلة بلا امام! زعما منه انه سمع عن رسول الله ص انه قال: «من مات ولا امام له مات ميتة الجاهلية»، والأدهى من ذلك ان الحجاج قد بلغ من احتقاره لعبد الله بن عمر واسترذاله لحاله، انه أخرج رجله من الفراش وكان مستلقيا فقال له : اصفق بيدك عليها! كما نقل بن ابي الحديد في شرحه للنهج .


فهذا الموقف يعتبر فيه الخذلان للحق او الوقوف مع الباطل بصورة غير مباشرة، ولذا نهى الامام ان يكون موقف المؤمنين من نصرة الحق بهذه الصورة من التخاذل والتهرب من المسئولية وهو ما تضمنته بعض الآيات الداعية الى تحمل المسئولية واداء الواجب مهما كانت التضحية والمعاناة في سبيل الله فما الدنيا الا دار امتحان للانسان ليتضح صدق الايمان من كذبه، ومن تلك الآيات قوله تعالى:


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ،إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
(وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)


وللحديت تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com