معرفة الحق    15

 

   كثيرا ما يقال في الاعلام الديني المرجعية الدينية او المرجع الديني فما هو المعنى العملي بهذه العبارة، وما هو مفهومها النظري؟


   من المعلوم في الجانب النظري للمعتقدين بالإمامة الاثني عشرية لشيعة امير المؤمنين ان مقتضى الدين هو ان يكون الحكم فيه لله وحده عبر كتابه ونبيه وحججه الطاهرين بما احاطهم به من العصمة والعلم بالكتاب كما في قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، فهكذا توالت الانبياء والكتب من بعد ادم اذ ان الارض لا تخلو من وجود حجة لله ليقوم بالكتاب بما اراد الله فيه لخلقه، حتى انتهت الحجية اليوم الى الامام المهدي (ع) ليقوم بدوره الذي اختير له لقيادة العالم كله والذي اقتضى غيبته السياسية والاجتماعية عن الاعين (او بمعنى اخر عدم تشخيصه والانتباه الى عمله في المجتمع رغم وجوده بينهم كفرد من افراد المجتمع) حتى تتكامل الشروط العالمية لقيامه بأمر الله.


   وبسبب غيبة الامام المهدي ع في الوقت الحاضر (وهو حدث استثنائي في تاريخ الانبياء وحجج الله وذلك من اجل ان تتكامل الامور والشرائط العالمية التي تمهد لقيامه وتصديه لهداية العالم كله)، فقد تصدّى العلماء للقيام بوظيفتهم الشرعية في عصر الغيبة، اذ ان ذلك من المهام التي جعلها الله بعهدة العلماء هي التبليغ والارشاد الى الله وشريعته، الا انهم انقسموا الى قسمين، الى جماعة تسمى بالإخباريين وهم الذين يعتمدون الاحاديث فقط ويعملون بموجب ما ورد فيها، والى جماعة اخرى تدعى بالأصوليين وهم الذين يرجعون الى الاصول والقواعد الشرعية والعقلية في الوصول الى الحكم الشرعي نظرا لما لحق بالاحاديث من اضافات وافتراءات وتشوهات عبر مرور الزمن الطويل وما اضافته الصراعات السياسية والمذهبية من ركام كبير الى ذلك.


    ومع مرور الزمان انقسم الأصوليون انفسهم الى قسمين، الى من يعتقد ان وظيفة الفقيه هو ايجاد الحكم الشرعي لقضايا العبادات والمعاملات والمسائل الخاصة التي هي محل ابتلاء الناس وهم الغالبية من العلماء ومشاهير الفقهاء القدامى او المعاصرين والذين كان على راس المعاصرين منهم السيد الخوئي الذي يعترف الجميع بعلمه وبما كتبه ودرّسه من فقه واصول وابحاث في علم الرجال والحديث والفقه، والى قسم اخر من العلماء الذين يعتقدون ان من مهام الفقيه هو العمل على اقامة الدولة اسلامية عند الاستطاعة والمقدرة وعلى راسهم السيد الخميني والسيد الصدر اعلى الله مقامهم وهم يمثلون الاقلية بالنسبة للفقهاء.


     ثم انقسم الذين يعتقدون بولاية الفقيه الى قسمين كذلك، قسم يعتقد بالولاية المطلقة للفقيه والتي تعني ان للفقيه الحق في ان يقوم مقام الرسول او الامام المعصوم في كل الاحكام حتى في الامور الشخصية فيطلّق او يزوّج او يحكم ما يشاء من الاحكام التي تتعلق بالدولة او الافراد وان على الجميع الانصياع لحكمه بلا استثناء، وقسم اخر يرى ان الفقيه له حدوده الخاصة والتي لا ترتقي الى القيام بكل وضائف حجة الله وانما تختص بالشؤون التي ترتبط بالدولة فقط، فيكون له القرار النهائي في امضاء قرارات الدولة الاساسية الكلية (بشقيها الحكومي والبرلماني) او اتخاذ (الفيتو) ضدها اي نقضها وابطالها بما يعني ان الرأي النهائي في مسار الدولة او سياستها العليا تعود للفقيه المتصدّي وهو ما يُعمل به اليوم في ايران، علما بان الاستدلالات التي اعتمد عليها للوصول الى ولاية الفقيه هي قائمة على الدلالات العقلية كما تقدم توضيحه فيما سبق.


    ولكي يحيط الباحث علما بالمرجع الفقيه لابد من ادراك مفهوم الفقيه اولا ومفهوم المرجع ثانيا، فالمراد بالفقيه هو العالم المتبحر والمتخصص في امور الدين والذي يصل في درجاته العليا مرحلة الاجتهاد للوصول الى الحكم الشرعي في الامور المستجدة في زمن الغيبة، والمراد بالمرجع هو انه اصبح اعلم الفقهاء او زعيما لهم في الحوزة العلمية، وهو ما يستلزم تسليط الضوء على نوع الدراسة الدينية التي يدرسها الانسان لكي يكون فقيها في الدين ومن ثم كيف يصبح مرجعا وهو ما سيتناوله البحث في الحلقة القادمة .


فللبحث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com