معرفة الحق    14
 

    تقدم فيما مضى الحديث عن ضرورة الفهم الموضوعي لشأن علماء الدين وميدان تخصصهم للحيلولة دون المبالغات التي ترتقي بالفقيه الى رتبة المعصوم وتصنع اصناما في الدين فتؤدي الى الانحراف في الدين كما حدث في بقية الاديان كالنصرانية واليهودية والتي نبه الله في كتابه اليها من خلال تشبيه العلماء المنحرفين والمستغلين للدين بالحمير والكلاب لئلا يتأثر الناس بالعناوين الدينية العامة للعلماء من دون ملاحظة واقعهم الفعلي فقال تعالى:


(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)


   فالعلماء جميعا ما داموا ليسوا في دائرة العصمة الربانية فانهم عرضة للوقوع في الخطأ والاشتباه وحتى الاثم والانحراف ومن الخطأ التعامل معهم بالقداسة وتنزيلهم بأعلى من منزلتهم الفعلية التي هم فيها، ولا يعني ذلك بخس الناس اشيائهم فلكل انسان قيمته الانسانية التي اوجب الله له فيها الاحترام والتقدير، كما ان له قيمته وشأنه في المنزلة العلمية التي بلغها بجهده وسعيه ولكن من دون افراط او تفريط، وهو ما يقتضي وضع كل شيء في موضعه بالحق والعدل والانصاف، فان وضع العلماء في موضع القيادة يحتاج الى دليل شرعي وعقلي وهو ما تم التعرض اليه من الناحية الشرعية سابقا من ان الاصل الشرعي هو ان الحكم لحجج الله كما قال في كتابه:

(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )،

     كما ان الروايات التي تجعل الولاية مربوطة بالعلماء كالرواية التي يسميها الفقهاء مقبولة حنظلة وهي رواية (من كان من الفقهاء صائنا لدينه..الخ) لا يقبلها كل الفقهاء وقد تمت مناقشتها قبلا، فلا يوجد دليل شرعي على اناطة الولاية بغير حجة الله المعصوم، الا ان البعض حاول ان يربط الولاية بالعلماء عن طريق الادلة العقلية.

     والحق ان اعطاء موقع القيادة للعلماء في زمن الغيبة يتطلب نوعين من العلم، العلم بالدين في اهدافه العليا ومقاصده الربانية ومبانيه الفكرية التي تعتمد الكتاب واحاديث المعصومين من جهة، والعلم من جهة اخرى بالقضايا السياسية الداخلية وارتباطاتها الخارجية، بما في ذلك العلم بالأوضاع السياسية العالمية للدول الكبرى وسياستها التي تستعملها لسرقة اموال الشعوب وما تستعمله من وسائل المخابرات وادوات التجسس الحديثة والتلاعب بالاقتصاد والقواعد العسكرية وما تخطط له عالميا عبر الاحلاف العسكرية والمؤتمرات الخاصة بين القوى الكبرى والمؤسسات الدولية العامة كالأمم المتحدة وامثال ذلك مما يطول الحديث عنه من التحالفات والصراعات حتى بين الدول الكبرى وهو ما يحتاج الى العلم والمتابعة للمستجدات السياسية الخارجية والداخلية لأحداث البلد وتطوراته الماضية والحاضرة، وجميع هذه الامور هي تخرج عن نطاق العلماء او المراجع الذين تخصصهم هو في القضايا الدينية ويحتاج الى متخصصين في العمل السياسي ليستطيعوا التعامل مع القضايا السياسية بشكل حرفي مقتدر.

     فالجمع بين الدين والسياسة في الفكر والعمل في شخص واحد هو امر محال الا فيمن عصمه الله وهنا دخلت الاطروحات التي تحمل ولاية الفقيه والتي تعتمد على مؤسسات سياسية وعسكرية واستخبارية واعلامية متخصصة والتي هي في حقيقتها اطروحات للحكم تتشابه في عنوانها العام مع نظريات ادارة الدولة ولكنها تختلف في تفاصيلها بحسب عقيدة المذاهب الاخرى كالديمقراطية والشيوعية والاشتراكية فهي تختلف في تفاصيل مراكز واشكال توزيع السلطة واجهزتها الرئيسية ولكنها تلتقي في نهايتها على اجتماع مراكز القوة والقدرة النهائية برئيس الجمهورية او رئيس الوزراء او شخص الولي الفقيه بحسب الدستور والانظمة الداخلية في تلك النظم فهي عموما تعتمد على اناس ليسوا من اهل العصمة الربانية وان اختلفت درجات استقامتهم وعدالتهم.


   ومن هنا تكون للمصطلحات الاسلامية امثال (المرجعية الرشيدة) و (المرجعية الحاكمة) و (القيادة لرشيدة) معانيها الفضفاضة في تحميل القيادة للعلماء بأكثر من قدرتهم وطاقتهم، وهي بالأصل تتعلق بالأئمة ع بما اتاهم الله من عصمة وعلم ودراية وتسديد الهي، فلا يصح ان يجعل كل من تلبس بلباس اهل العلم مهما بلغت درجته العلمية في مقام الائمة المعصومين، ولا يصح استعمال التعابير للمعمم بانها عمامة رسول الله فلا العمامة عمامة رسول الله بحقيقتها المادية ولا حقيقتها المعنوية، ولا يكون من ارتداها قد اصبح في مقام رسول الله او المعصومين، فان العمامة لا تغير عقل الانسان ان كان ضعيفا ولا تنقل له اخبار السماء ان كان جاهلا، فهذه التعابير والمسميات هي التي توقع الناس في الجهل والتخبط وعدم في وضع العلماء في مقامهم الصحيح مما يفسح المجال للانحرافات الدينية ومنها ولاية المعمم.


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com