معرفة الحق    13

 

عن رسول الله (ص) انه قال: (الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا ويتبعوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم).


   يوضح هذا الحديث مفهوم الفقهاء في الدين ودورهم في المجتمع حيث ينبغي ان يكونوا كما كان رسول الله في خلقه وسلوكه، فالفقيه لغة هو العالم المتبحر والمتخصص في موضوع ما، والفقيه في الدين هو العالم المتخصص في احد مواضيع الدين الواسعة، فليس كل من عرف شيئا من المعارف الدينية او شيئا من علومها كان عالما عارفا بكل شؤون الدين، ولا كل من لبس لباس العلماء وتزيى بزيهم ووضع العمامة على راسه كان من العلماء او الفقهاء، وهو الخطأ الذي يقع فيه الناس عادة حين يحسبون ان كل معمم عالما، فالعالم بالدين هو من درس وتعلم من احد فروعه وارتوى من عذب معارفه القرانية والحديثية حتى وصل الى من يصدق عليه مصطلح العالم او الفقيه في شؤونه وتفاصيله فليس من عرف شيئا من العلم او بعضه كمن يدخل في متنه وعمقه وهو ما اشار اليه امير المؤمنين في بعض خطبه في نهج البلاغة موضحا صفة العالم الحق  حيث قال ع : 


إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَى اللهِ تعالى رَجُلان ِ:

رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ (اي تركه الى هواه وتصوراته وقصر نظره)، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ (اي عادل عن جادته ومائل عنها)، مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَة (المشغوف بالشيء هو المولع به حتى يبلغ حبه شغاف قلبه او غلافه، والكلام البِدعة هو ما اخترعته الاهواء ولم يعتمد على اساس متين من كلام الله او كلام حججه والمراد انه منشغل بكلام او مواضيع استولت على هواه من دون اعتمادها على اساس شرعي متين)، وَدُعَاءِ ضَلاَلَة (اي منشغل بدعوة لأفكار تسوق الى الضلالة لأنها قائمة على البدع والتصورات الذهنية المنحرفة)، فَهُوَ فِتْنَةٌ لَمِنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْي مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلُّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ(اي يحمل خطايا غيره الذين اضلهم بفكره فسعوا سعيه وواصلوا عمله حتى بعد موته اضافة الى خطاياه في حياته)، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ (اي مرتهن بأعماله السيئة الى يوم القيامة).

   فهذا النمط من الناس الذين تغلب على نفوسهم تصورات وافكار يكونون دعاة لها من دون ان يستندوا على اساس شرعي مبين سواء اكانوا متزيين بزي العلماء او بسمة من سمات اصحاب الطرق الخاصة الاسلامية او غيرها، فأمثال هؤلاء يشتكي الامام من جهلهم وعملهم، ثم يضيف اليهم الامام نمطا اخر من الناس الذين يتلبسون بالعلم فيقول:

وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً (اي جمع جهلا من المعارف (وأصل القمش جمع المتفرق))، مُوضِعٌ في جُهَّالِ الاْمَّة ( مُوضع اي مسرع بالغش والتغرير للجهال من الامة بهذه الافكار)، غادر في أَغْبَاشِ الفِتْنَةِ (اي يغدر بهم في ظلمات الفتنة، (اغباش جمع غبش وهي حالة عدم وضوح الرؤية))، عِم بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ، (عم هي صفة من صفات العمى اي اعمى عن رؤية الحقائق الواقعية وهي ملاحظة اقامة الهدنة او الاتفاق على الصلح والمسالمة بين الناس فهو يثير الفتن والمشاكل بين الامة)، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ (اي لا يوجد فيه صفات اهل العلم والعقل الذين ذكرهم الله في الكتاب وما تحدث بوصفهم حججه)، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْع (اي بادر مسرعا الى الضلالات فكثر المؤيدون له والذين يبوء بإثمهم)، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُر َ(اي ضرر هذا النوع الذي يدعي العلم اكثر من نفعه فالبعد منه اولى وانفع)، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاء آجِن (والماءُ الاجِنُ هو الفاسد المتغير اللون والطعم والمراد انه اكثر من الارتواء من هذه الافكار الفاسدة والملوثة)، وَأكْثَر مِن غَيْرِ طَائِل (اي اكثر الجمع من هذه الموضوعات التي لا فائدة فيها مما بدا فيه امام الناس انه من العلماء)،

جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا التَبَسَ عَلَى غيْرِهِ (اي جلس في مجالس العلماء والفتوى ليحكم بين الناس فيما التبس عليهم من الامور لتخليصهم من الباطل وارجاع الحق الى نصابه!)، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْو اًرَثّاً مِنْ رَأْيِهِ، (الحَشْوُ هو الزائد الذي لا فائدة فيه، والمراد انه عند تصديه للقضايا المبهمة او الصعبة التي لا يستطيع عليها فانه يحشد لها كلاما حشوا باليا اي مستهلكا خاليا من الجدة)، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ (اي يقطع بما يتصوره انه هو الحق ويحكم فيه في القضايا والموضوعات)، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ (فهو في حكمه بالشبهات كنسيج العنكبوت من الوهن او الضعف اي انه لا يستطيع ان يميز بين الشبهات الا كما يبني العنكبوت بيته من الضعف فلا يكون حكمه متينا قويا)،

لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، إنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. (وهو دلالة على عدم يقينه بما اعتقد به لا يدري هل انه اصاب ام اخطأ)، جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهلات (اي خباط في الظلمات)، عَاش (من العشوة او السير في الظلمة)، رَكَّابُ عَشَوَات (اي يسير في الامور على غير هدى)، لَمْ يَعَضَّ عَلَى العِلْمِ بِضِرْس قَاطِع (اي لم يصيب من العلم اليقين والقوة والنفوذ فيه)، يُذرِي الرِّوَايَاتِ إذْراءَ الرِّيحِ الهَشِيمَ (اي يأتي بالروايات والاحاديث المختلفة من دون احكام معانيها ومواردها فيذري بها او ينشرها بين الناس كما تذري الريح الهَشِيمُ والهشيم هو ما يَبِسَ من النّبْتِ وتهشّمَ وَتَفَتّتَ فتطير به الريح الى كل مكان )، لاَ مَلِيٌ ـ وَاللهِ ـ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، (اي انه خال من العلم والمعرفة فلا يستطيع ان يضع الامور في مواردها وهو معنى لا ملي فالمَلِيّ بالشيء هو القَيّمُ به الذي يجيد القيام عليه بينما هو ليس كذلك فيما فيه من العلم والعمل)، وَلاَ هو أَهْلٌ لِما فُوّضَ إليه (اي ليس هذا مقامه ومنزلته)، لاَ يَحْسَبُ العِلْمَ في شيْء مِمَّا أَنْكَرَهُ، (اي يرى ان العلم هو ما وصل اليه غرورا بنفسه)، وَلاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ منه مَذْهَباً لِغَيْرهِ، (فلا يرى لقصر نظره ان الاخرين سيبلغوا الى ما وصل اليه من الدرجة العلمية)، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ (اي ستره) لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ (اي ان علم في نفسه الجهل ببعض الامور كتمها عن الاخرين ولم يبين حقيقة جهله للناس)، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ (اي تصرخ من ظلمه الدماء الي اريقت ظلما بفتواه)، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَوَارِيثُ (اي تشكوا منه المواريث التي اعطيت ظلما بغير حق).

فهذا الصنفان من الرجال المنحرفين المنتحلين لصفة العلماء والحكام يبرأ منهم الامام ويشتكي الى الله منهم ومن اعمالهم فيقول:

إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَر يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً، لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ (اي اكسد) مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (اي لا يشترون الحق فيما ورد توضيحه بكتاب الله فلا يرجعون اليه في احكامهم)، وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ (اي اكثر) بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (اي يبحثون عن التفاسير المنحرفة ويشتروها بأغلى الاثمان)، وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، وَلاَ أَعْرَفُ مِنَ المُنكَرِ! (اي ان المفاهيم اصبحت عندهم مقلوبة فاصبح الحق باطلا والباطل حقا)

   فالفقيه حقا (وهو اعلى درجة من العالم) ينبغي ان يكون امينا في علمه ودعوته بما عهد اليه من الرسل والانبياء فيكون مثالا للخلق والتواضع والانابة مقتديا برسول الله في مقامه الذي وصل اليه فلا يستغل الدين لنيل الدنيا من الزعامات الكاذبة والخضوع للأهواء والمصالح والشهوات او كما في الحديث الشريف رحم الله إمرءا عرف نفسه فوقف عند حده.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com