معرفة الحق   12

 

عن الامام جعفر الصادق ع قال:
[اعرفوا منازل شيعتنا عندنا على قدر روايتهم عنا وفهمهم منا (اي ليس المهم نقل الرواية والتحدث بها فحسب، وانما المهم هو فهم كلماتها ومعانيها ومداليلها ومقاصدها)،فإن الرواية تحتاج إلى الدراية (اي الى الفهم والمعرفة)، وخبر تدريه خير من ألف خبر ترويه].


في هذا الحديث يوضح الامام الصادق معنى مهم من معاني التدين والعمل الصالح وتقييم الناس بقيمتهم الحقيقية المتناسبة مع الفهم الايماني والعقلي للدين، فمن خصائص المؤمن ان يكون ذا بصيرة وفهم دقيق في معرفة معاني الايات والروايات والمقصود منها في زمانها ومكانها، فلا يكفي ان يمرّ عليها مرورا سريعا وسطحيا، بل ينبغي ان يتفهم معانيها ومقاصدها وتطبيقاتها العملية، فان الغفلة عن هذا تقود المؤمن الى الجمود والتحجر العقلي والفكري الذي لا ينسجم مع التغيرات الحياتية المتجددة، او يقوده الى الفهم الساذج الذي يتساهل في القيم الدينية فيحرفها ويصنع منها دينا جديدا في الفكر والعادات والتقاليد والطقوس تبعد الناس عن دين الله الحق، ولذا فان الرواية الواحدة التي يفهمها الانسان بدقة تغني عن كثير من الاحاديث والتحليلات والفلسفات والشطحات الفكرية التي تصد عن الصـراط المستقيم وتؤدي الى ضياع الوقت والعمر.


وقد تقدم البحث في الحلقة السابقة عن الحديث الذي يستفاد منه في قيمومة العلماء على الناس بالرواية الشائعة وهي: (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه مخالفا لهواه ...الخ) والذي غالبا ما يكرر في مجالس الدرس والوعظ من دون عرض الحديث بتفاصيله الكاملة ليتبين المؤمن مقصد الامام منه، فالحديث كما تقدم عرضه كان يتناول الحديث عن العلماء وانحرافاتهم ويميز بين العلماء الربانيين وعلماء السوء والذي يتضمن في مدلوله عدم الاعتماد على المظهر الديني والشكل الخارجي للعلماء خشية من ان يسود مفهوم ولاية المعمم مهما كان علمه، وكيف ما كان خلقه ودينه، وفي اي مجال كان حديثه فيما يعرف او لا يعرف!، وهو ما يستدعي من المؤمن الواعي ان يفهم دور العالم بالدين لا من خلال لباسه ومظهره وانما من خلال طبيعة دراسته وما تؤهله هذه الدراسة من عمل يرتبط بها، فان دور الطبيب وعمله يتحدد من خلال دراسته للطب والفرع الذي تخصص فيه، وكذا المهندس فانه دوره وعمله يتحدد من خلال العلم الذي درسه وفرعه الذي تخصّص فيه وهكذا هو الحال مع المتخصصين في بقية العلوم الاخرى، فان عمل المتخصص يتحدد من خلال علمه وتحصيله الدراسي السابق اضافة الى المؤثرات الذاتية التي تشكلت منها شخصيته الخاصة والتي تترك اثرها على علمه وسلوكه .


ومن يلاحظ موضوع الدراسة الحوزوية بصورة اجمالية كلية يلاحظ انها دراسة تتعلق بموضوع الفقه او الاحكام الشرعية في موضوعات محددة مهما تعددت وتلونت الموضوعات الجانبية التي ترفدها، فهي دراسة متخصصة كبقية العلوم الاخرى ولا علاقة لها بهيمنة الفقيه وولايته على المقلدين له، فالموضوعات التي يتناولها الفقيه في رسالته العملية هي مواضيع العبادات والمعاملات التي يرجع لها المقلد في حالة ابتلائه بها فهذا هو تخصصه الاساسي، ولا علاقة له بالامور الاخرى التي تخرج عن تخصص دراسته وحتى الاسلامية في المجالات الاخرى التي لم يدرسها، فلا يرجع للفقيه عند المرض وعند البناء وعند الصناعة او الزراعة او الادارة او السياسة او الامور الاخرى التي هي خارج دراسته، وانما يرجع لذوي التخصص فيها، واذا اعطى الفقيه وجهة نظره في هذه المواضيع فهو كبقية الناس التي تظهر ارائها في المواضيع العامة، فلا يترتب على رايه حكم شرعي او موقف ملزم، وانما هي تكشف عن مدى علمه واطلاعه في مثل هذه الامور.


فعمل الفقيه هو في الموضوعات التي درسها من قبل كما يفعل ذوي الاختصاصات الاخرى كالطبيب مثلا، فعلم الطبيب لا يتناول جميع موضوعات الطب الواسعة وانما يتعلق بالأمور التي تخصص فيها، وبالمقدار الذي استطاع بعقله وجهده من الوصول اليه، وهنا يبرز الفرق بين طبيب واخر، فعمق العلم الذي حصل عليه الطبيب، وسعة عقله وجهده، تمثل معلما مهما للطبيب الحاذق التي تجعله يفرق عن الطبيب الاخر. وكذا هو الحال تماما مع الفقيه المتخصص، فان اطلاعه على المسائل الشرعية محدود بما درسه وتخصص فيه، اما الموضوعات الاخرى الاسلامية كالقران والحديث والعقائد والافكار التي لم يتخصص فيها فلا يكون رأيه حجة فيها، فان العمامة او الانتماء للحوزة لا يعني العلم بكل الموضوعات الاسلامية، وكذا كلمة الطبيب فإنها لا تعني علمه في كل المواضيع الطبية الكثيرة وانما هو ما درسه وتخصص فيه وهكذا هو حال العلماء في كل المواضيع، اما من يسعى الى توسعة عمل الفقيه بأكثر من حدود اختصاصه الذي درسه وتعلمه فهو تحميل له بموضوع لا واقع له، فان الدين في مفهومه العام وابحاثه وتخصصاته لا يستطيع ان يقوم بها عالم اليوم لوحده، خاصة مع التطور العلمي الحديث الذي طرأ على كل التخصصات بفروعها المختلفة، فالمجتهد في حقيقته هو كالأستاذ المتخصص في علم من العلوم، ولذا ينبغي للناس ان يفهموا حقيقة العلم الذي درسه الفقيه وما هو مجال عمله بشكل عام، والذي تعبر عنه الرسالة العملية الخاصة به، اضافة الى فهم شخصية المرجع وقدراته وقابلياته لأنه ليس معصوما او متكامل الفكر والصفات، فان قابليات الناس تتفاوت في درجاتها حتى لو كان موضوع الدراسة واحدا، وهو ما يشكل الفارق بين المحامي الناجح والفاشل، والطبيب الحاذق والعادي، والفقيه المبدع والفقيه التقليدي، فان التفاوت بين عقول الناس وقابلياتهم تترك اثرها على علم الانسان وعمله، وهو احد الموضوعات المهمة في وضع الشيء موضعه وعدم تحميل الانسان بأكثر من طاقته وهو ما يحول دون التطرف او التعصب والمغالاة في تمجيد الاشخاص واعطائهم القدسية التي تفسد سلوك المقلد وتترك اثارها السلبية على المقلد.


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com