معرفة الحق    11

 

   عن الامام الصادق ع في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )

قال: عن اليهود والنصارى الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله: [أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً، وحرموا لهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون].


فقال رجل للامام الصادق ع: فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمهم الله بتقليدهم والقبول من علمائهم ؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم؟ فإن لم يجز الله لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم (اي مقتضى ذلك ان الله لا يجيز لعوام المسلمين الرجوع لعلمائهم لأخذ دينهم منهم كما لم يجيز لليهود)


فقال الامام (ع): بين عوامنا وعلمائنا، وبين عوام اليهود وعلمائهم، فرق من جهة وتسوية من جهة، أما من حيث استووا فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم، وأما من حيث افترقوا فلا.
 

قال السائل: بين لي يا ابن رسول الله
 

فقال عليه السلام: إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات (اي بحرف الاحكام عن مواضعها عند التطبيق من اجل ترضية الناس لأخذ الرسوم الدينية من اموالهم او تحصيل الحظوة عند كبرائهم)، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم (اي التطرف الشديد المخالف للشرع عند معاملة المخالفين لهم او المؤيدين لهم)، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه (اي سلبوه حقه الشرعي اجحافا وظلما)، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم (اي اعطوا الذي يتحيزون له ما لا يستحقه من مال غيره)، وعرفوهم (اي عرفوا علماءهم) يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم (اي سلّموا عقلا) إلى أن من فعل ما يفعلونه (اي ما يفعله علماء دينهم) فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله (اي الانبياء)،

فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكاياته، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه، (اي ذم الله عوام الناس لتقليدهم من عرفوه بفسقه من العلماء في النقل عن الله وعن نبيهم)، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه واله، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم،


وكذلك عوام امتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة
(اي شدة التعصب)، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه (اي من يقفون ضده) وإن كان لإصلاح أمره مستحقا(اي لم يكن مستحقا للظلم الذي لحقه منهم )، والترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقا (اي اعطاء من لايستحق المال والشأنية وان كان الاولى اهانته بدلا من الاحسان اليه)، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهاءهم (اي من علم انحراف العلماء وفسقهم، وتطرفهم في التعصب لمعتقداتهم ولمن هو معهم ومن هو ضدهم ايجابا او سلبا، ثم قلدهم في المسائل الشرعية فهو مستحق للذم الالهي كما حدث مع اليهود)،


فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، (انتبه لتتمة حديث الامام) وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، (اي ليس كل من صار عالما بالدين وفقيها به كان صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه، فهناك فرق بين العلم بالشيء والاتصاف به في السلوك والعمل)،

فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة، وإنما كثر التخليط (اي اشتباه الناس) فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك (اي فيما يعبر عن احاديث اهل البيت وسلوكهم بمعنى ان الناس لم يستطيعوا تشخيص من يحمل قيم اهل البيت الصحيحة عن غيرهم لعدم تميز الناس بين فسقة العلماء من مخلصيهم)، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم (اي ان العلماء الفسقة يتحدثون عن اهل البيت بغير الواقع فيحرفون الدين بأسره، ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم بالدين ومقاصده)، وآخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم (اي ان هناك فريقا من هؤلاء العلماء يفعل ذلك عن علم وعمد لأجل تحصيل الدنيا)،

ومنهم قوم نصّاب (اي ان فريقا ثالثا من العلماء المخادعين والمعادين لأهل البيت) لا يقدرون على القدح فينا (اي لا يستطيعون انقاص منزلة اهل البيت مباشرة امام الناس)، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا (اي ينقصون من منزلتنا وقدرنا عند الشيعة باحاديثهم المكذوبة عنا وسلوكهم المنحرف والذي قد يكون احيانا بمصطلحات ومسمّيات اسلامية) ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن برآء منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا (اي ان البعض من علماء الشيعة او عوامهم من بعد مضي فترة من الزمان يأخذون بهذه الاحاديث اعتقادا منهم انها صادرة عن اهل البيت فيكون ترويجهم لهذه الاحاديث مصدرا للانحراف والضلال)،

وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد (عليه اللعنة) على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليّه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب ثم يوفقه الله لقبول منه فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة (المصدر البحارج2/ص89)


في هذا الحديث يبيّن الامام الصادق ع لشيعته الموازين الدينية للتقييم الصحيح فهو لا يكون باللباس الديني والمظاهر الدينية لأن هناك البعض من العلماء ببعض فروع الدين هم جهلة بمقاصد الدين واهدافه الالهية الاساسية فيقتصر علمهم على ما عرفوه من المسائل الشرعية، كما ان بعضهم هو من طلاب الدنيا وزينتها، كما يوجد فيهم الفسقة والمستغلين للدين والمستأكلين به لأجل تحصيل المال والعز والثراء والرئاسة وما شابه من مصالح دنيوية فانية كما في قوله ع: (قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات)، وهو ما يعني ان على اهل الايمان ان يعرفوا الدين من اصوله الصحيحة وليس من خلال العلماء الذين تعلموا شيئا من احكامه، فليس كل من تلبّس برداء الدين ومظهره وحمل عنوانه هو اهل للاعتماد عليه وأخذ الدين منه اذ ان ذلك سيجعل الولاية للمعمم سواء اكان صادقا ام كاذبا، وهو ما يكون سببا لانحراف الدين عن مقاصده الربانية ليكون تبعا للفهم بعقلية واهداف الناس العادين المتلبسين بلباس الدين.


وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com