معرفة الحق   10

 

عن رسول الله (ص) قال: (العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع).


   ميّز الله جل جلاله في كتابه الكريم بين نوعين من العلماء، بين المطيعين له المخلصين في نواياهم الصادقين في مسعاهم فسماهم بالعلماء الربانيون، اي العلماء المنسوبين لله في اقوالهم واعمالهم بما تعلّموا من علم الكتاب ومن احاديث نبيهم وسيرته وهداه، حيث ينبغي ان يكون سلوكهم مطابقا لعلمهم بالكتاب وباحاديث حجته النبي المرسل اليهم، كما قال الله في كتابه:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ )

   حيث لا ينبغي للعلماء الربانيون ان يضعوا انفسهم في موضع الربوبية والقيمومة على الناس بل في موضعها الذي وضعهم الله فيه من التبليغ والارشاد والتواضع لله.

    اما النوع الثاني الذي اوضحه الله في كتابه فهم العلماء الذين تلبّسوا بلباس الدين ظاهرا وتزيّوا بزيّه من وضع العمائم او تغطية الرأس بغطاء خاص يشير الى ارتباط صاحبه بالدين ومن لبس الجبة والجلباب والبرنس ووضع العباءات والقلانس واطالة اللحى وما شابه من المظاهر الدينية التي توحي بارتباط اصحابها بالدين والعلم الا ان دوافعهم كانت دوافع دنيوية لنيل المكاسب من وراء ذلك، فاتخذوا الدين سلعة وتجارة للدنيا، ولذا شبّههم الله بالحمير والكلاب فقال عنهم في كتابه:
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)،

كما قال كذلك:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث، ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).


ولذا تعددت الايات والروايات التي تحذر من علماء السوء وتميّز بينهم وبين العلماء الربانيين.
فعن رسول الله (ص) قال: (إن في جهنم رحى تطحن علماء السوء طحنا).
 

وعن امير المؤمنين ع عندما قيل له من خير خلق الله بعد أئمة الهدى؟
قال: (العلماء إذا صلحوا، فقيل له ومن شر خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود وامثالهم؟ قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عز وجل: اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا....)
 

وعن رسول الله (ص) في احاديث عدة عن علماء السوء قال: (ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء).
كما قال ص في حديث اخر: (ويل لامتي من علماء السوء).
وعنه (ص) لما سئل عن شر الناس قال : (العلماء إذا فسدوا).


ولذا قال اهل الحكمة: (اذا فسد العالِم فسد العَالَم)، وسبب ذلك يعود الى قدرة العالِم في ترويج المفاهيم الدينية الخاطئة بين الناس وانصياع العوام لهم وخاصة عند ازدياد الجهل والتعصب المذهبي والديني، ولذا بينت الروايات خطورة انحراف العلماء


فعن امير المؤمنين ع قال: (زلة العالم كانكسار السفينة تٓغرق وتُغرق).
وعنه (ع) في حديث اخر قال: (زلة العالم تفسد عوالم).
وفي حديث اخر قال: (لا زلة أشد من زلة عالم).
كما قال ع كذلك : (إن كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء، وإذا كان خطأ كان داء).
وهو ما قال عنه رسول الله (ص): (اعلم أن كل شيء إذا فسد فالملح دواؤه، فإذا فسد الملح فليس له دواء).
 

   ولذا تعددت الروايات في تنبيه الناس الى المطبّات التي يقع فيها العلماء اضافة للتنبيه السابق في ملاحظة عقلية المتلقي للعلم والخصائص النفسية الي يحملها خلال حياته الماضية والتي لها اثر وانعكاس على شخصيته وعلمه، فهذه المطبّات تدور اجمالا في مدى ارتباط العلماء بالدنيا وزينتها والمؤثرات السلبية التي تتركها عليهم.


وأول هذه المطبّات التي يقع فيها العلماء هي الاهتمام بالأمور الدنيوية وتقديم الدنيا على الاخرة حيث ورد عن المعصومين عن عيسى ع قال:
( كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر من آخرته، وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه ؟).
 

كما قال ع كذلك: (كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلب ليعمل به؟) اي ان غرضه من العلم هو لأجل الاستفادة منه في تحقيق مآربه الشخصية وليس للاستفادة منه في بناء الاخرة.
 

كما ورد عن ع كذلك انه قال: (كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه، اي ان هذا السلوك المنحرف من طلب الدنيا لا ينسجم مع من يطلب الاخرة.
 

وعنه (ص) ايضا انه قال: (من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، وما آتى الله عبدا علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله تعالى بعدا، وازداد تعالى عليه غضبا)


اما المطبّ الثاني الذي يقع فيه العلماء فهو زيادة العلم بلا عمل وانعكاس ذلك على الواقع العملي في تحصيل العيش المرفه والانشغال بالأعمال والمواقف الجزئية وترك الاعمال الحقيقية التي جعلها الله بعهدة العالم
فقد ورد عن رسول الله انه قال: (من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدا).
كما ورد عنه (ص) انه قال: (من ازداد في العلم رشدا فلم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا).
 

اما المطبّ الثالث الذي يقع فيه العلماء فهو التأييد للحكام واصحاب النفوذ والاموال طمعا في تحصيل الدنيا والمكانة السياسية والاجتماعية فيها.

 
فقد ورد عن رسول الله (ص) انه قال: (الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا ويتبعوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم).


وورد عنه (ص) كذلك انه قال: (العلماء امناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا، فإذا خالطوا السلطان وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم).


وعن الإمام الصادق ع قال: (ملعون ملعون عالم يؤم سلطانا جائرا معينا له على جوره).
وعن المسيح ع قال: (الدينار داء الدين، والعالم طبيب الدين، فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه، واعلموا أنه غير ناصح لغيره).


وعن الإمام الصادق (ع) قال: (إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يحوط بما أحب).اي يحوط نفسه بما احب من الدنيا.


ومن هذه الاحاديث،(وغيرها كثير)، يتضح ان العالم الحقيقي لا يتسم بالملبس والمظهر الديني فقط، وانما هو العالم العامل العارف بالواقع الفعلي فهو الذي يجسد حقيقة العالم المتقي لربه، الذي يطلب الاخرة اولا معرضا عن زينة الدنيا وكل اشيائها التي تصد عن الله فهذا هو العالم الحق الذي يرفع الله ذكره في الدنيا والاخرة.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com