حقيقة الإخلاص    8

 

عن امير المؤمنين ع قال: «الإخلاص ثمرة اليقين»


تقدم الحديث عن الاخلاص وخصائصه الاساسية والتي اوضحها حديث الامام الباقر ع بقوله: «لا يكون العابد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه (اي لا يحسب للخلق حسابا وكأنهم غير موجودين)فحينئذ يقول (اي الخالق سبحانه) هذا خالص لي فيتقبله بكرمه» فما هي الاشياء التي تكون مدعاة لقوة اليقين في النفس؟ يجيب امير المؤمنين على ذلك بعدة احاديث منها:

«الإخلاص ثمرة اليقين»


اي كلما كبر يقين الانسان بربه وبقدرته وبعظمته وهيمنته على الامور كلها وتدبيره لها في كل لحظة وثانية وانه لا يوجد غيره شيء في الوجود وانه اليه تصير الامور جميعا وليس كمثله شيء، فانه يكون اكثر طاعة واخلاصا لله في اعماله واقواله وافعاله وسلوكه الحياتي، وهو ما يحتاج الى ان يزداد المؤمن معرفة بربه وصفاته التي عرّف نفسه بها في كتابه الكريم وعبر رسله وحججه للعباد، فآيات الكتاب كلها تنطق بمعاني الربوبية بشكل مباشر وغير مباشر فالله اعظم من ان يعرفه الخلق بصفاته وحقيقته لان عقولهم وقدراتهم البشرية هي من صنع الخالق العظيم الذي خلقهم وصنعهم كما شاء وأراد، فلا تدرك العقول ربها الا بما تضمنته الآيات من وصفه بالرحمن الرحيم والعليم الحكيم والسميع البصير الا ان سمعه وبصره ورؤيته وعلمه هي ليست كمخلوقاته (والتي لا تكون الا عبر الادوات والجوارح والماديات)، فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وقد عبر عن بعض صفاته في سورة الاخلاص او التوحيد وسورة الفاتحة وبقية الآيات الاخرى في الكتاب، وكذلك ما اوضحه حججه عبر احاديثهم وادعيتهم ومناجاتهم كما في دعاء الصباح لأمير المؤمنين بقوله:

 (يامن دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجل عن ملائمة كيفياته (اي موافقة وملائمة وانسجام ما وضعه الله من خصائص وقوانين لما خلقه من اشياء بحيث يكمل بعضها الاخر رغم اختلاف طبيعتها او وظائفها)، يامن قرب من خطرات الظنون، وبعد عن ملاحظة العيون، وعلم بما كان قبل ان يكون...)

 وكذلك ما ورد في نهج البلاغة من وصف الله سبحانه في مقاطع مختلفة كما في قوله ع: (ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان ...المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته، لا تبلغه القول بتحديد فيكون مشبها، ولم تقع عليه الاوهام بتقدير فيكون ممثلا...، الواحد بلا عدد، والدائم لا بأمد (اي مدة زمانية محددة)، والقائم لا بعمد، تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة (اي بالشعور به عبر الجوارح واللمس والادوات)، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة) (اي تراه القلوب من دون ان تشهده العيون بالحضور المادي الجسد).

وامثال ذلك ما ورد في الصحيفة السجادية من ادعية الامام زين العابدين والاحاديث الشريفة، وهو ما يؤكد انه كلما ازداد الانسان معرفة بربه كلما ازداد اخلاصا له وتقربا اليه، وهو ما يطلب من اهل الايمان الوقوف على معاني الآيات القرآنية ومضامين الادعية والتأمل فيها وعدم قراءتها بلقلقة لسان وغفلة قلب.


كما تطرق امير المؤمنين ع في حديث اخر الى الاسس التي يقوم عليها الاخلاص فقال: «الإخلاص ثمرة العبادة»
اي ان الاخلاص هو توفيق من الله يهبه الله لعباده الساعين لطلب رضوانه عبر الطاعة والعبادة، والمراد بالعبادة هو المفهوم الشامل لها الذي تصفه الآيات القرآنية بقوله تعالى:


﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ِ)
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ِ


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com