حقيقة الإخلاص   4

عن رسول الله ﷺ قال:

[يقول الله سبحانه، أنا خير شريك، من أشرك معي شريكا في عمله فهو لشريكي دوني، لأني لا أقبل إلا ما أخلص لي].

   في موضوع الاخلاص تبرز اهمية النية الصادقة التي يقصد به وجه الله تعالى من دون ان يشترك معها اي شيء اخر من المقاصد الدنيوية، اذ لا معنى لان يُشرَٓك مع الله شريكا اخر سواء اكان احدا من الناس او مما يرجوه الناس من المصالح المادية والمعنوية، فجميع الامور هي بيده وقائمة بأذنه وارادته وتدبيره ،فان هذا الفعل يدل على نقص الفاعل في توحيده وايمانه وعدم ادراكه لعظمة الخالق وهيمنته على الامور كلها، وهو ما نبه اليه الإمام الباقر ع بقوله:

[لا يكون العابد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه، فحينئذ يقول هذا خالص لي فيتقبله بكرمه] .

   اي لا يرجو في عمله وعبادته نفعا او مكسبا ماديا او معنويا من اداء العبادة لله كما لو كان ما يكون من الناس من قول او فعل تجاهه هو امر لا يتعلق به فلا ينتبه اليه ولا يهتم به فما يهمه هو الله فقط لان هو المقصود بالقول والفعل فمن يحب حبيبا او يهتم لأمره فانه لا يهتم بسواه من الناس ولا يكترث لردود افعالهم من كلام او تعليق او عمل.

عن الإمام الصادق ع في تعريف العمل الخالص لله قال:

[العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّ وجل].

    فان حمد الحامدين لا يعنيه بشيء فهم ليسوا مورد اهتمامه وخارج عن قصده بل ان المقصود بعمله هو الله سبحانه فلا يرجو جزاء وقربا الا منه، وهو ما اوضحه رسول الله ﷺ بقوله:

[إن لكل حق حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء من عمل لله].

  فمن يوفقه الله الى حقيقة الاخلاص فان عليه ان يخرج الاخرين من اهتماماته فلا يكون غير الله موجودا في قلبه لان الله لا يقبل ان يكون معه شريكا معه، وهو ما اكده امير المؤمنين ع بقوله : [من رغب فيما عند الله أخلص عمله].

    اي ان يكون العمل خالصا لوجه الله فقط فلا يريد به العامل عوضا من الدنيا او جزاء مقابلا بدلا عنه، فان ما يترتب عليه الاجر في الاخرة هو ما أريد به وجه الله تعالى، فمن عرف الله بجلاله ولطف فعاله، فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له، فإن الله يحبه بالمقابل، ويُخلصَه ويجتبيه، ويقربه إلى نفسه ويدنيه قرباً معنوياً ودنوّاً روحانياً كما قال في حق بعض اوليائها لمقربين: [وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب]، وهو ما يستلزم من المؤمن ان يروض نفسه في اقواله واعماله وخاصة في صلاته ودعائه في ان تكون خالصة لوجه الله فيتحسس معاني الكلمات في مخاطبة الله بها وكأنه يرى الله امامه فلا شك في ان الله حاضر معه في كل الاوقات والاحوال يراه العارف بقلبه ولا يراه بعينه ولذا كان حديث النبي ص بقوله: (اعبد الله كأنك تراه فان كنت لا تراه فإنه يراك) منبها لهذه الحقيقة.

    فان مجرد وجود النية من دون حضور القلب لا يكفي كمن يأكل بنية الاشتهاء للطعام فان مجرد القول لا يحقق الاشتهاء، اما حينما يحظر الطعام برائحته والوانه ولذيذ طعمه فان النفس تشتهيه وتميل اليه، والقلب كما يقال سلطان البدن تتبعه سائر الجوارح فيما استولى عليه وتصرّف فيه، فالقلب هو القائد والجوارح هي التابعة، ولا تستقر فيه محبتان متضادتان في ذات الوقت كما قال الله عزّ وجلّ في كتابه: ( مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) كما ورد في الحديث القدسي: (يا عيسى !.. لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد).

    فالدنيا والآخرة ضرّتان لا يجتمع حبّهما في قلب واحد، فمن استولى على قلبه حبّ المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلاّ إليه، ولا يعمل عملاً إلاّ ومقصده الحقيقي فيه هو تحصيله، حتى وإن ادّعى غيره كذبا، ولذا تراه يطلب الأعمال التي فيها كثرة المال، ولا يتوجّه إلى الطاعات التي فيها قرب ذي الجلال، وكذا هو الحال على من استولى عليه حب الجاه او الرئاسة او غيرها من الشهوات فليس المقصود في أعماله إلا ما يوجب حصوله على ما ستحوذ على قلبه من الهوى، وهو ما بينه الله في كتابه الكريم بقوله:

[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله] فمن المقومات الاساسية للإخلاص هو ان لا يكون في القلب الا حب الله وكل حب سواه يكون فرعا لحبه وامتثالا لأمره كحب الانبياء والائمة والوالدين والاهل والاولاد وامثال ذلك.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com