حقيقة الإخلاص   3

 

عن الامام الصادق ع قال:
«الإبقاء على العمل حتى يَخُلص (اي يكون خالصا لله) أشد من العمل».
 

   وهو ما يعني ان الاعمال الخيرة وحدها لا تكفي وانما تحتاج الى النية الخالصة في العمل لله وحده دون سواه، فلا ينبغي للمؤمن ان يشرك مع الله شيئا في عمله له كابتغاء الثناء او تحصيل مصلحة او مكسب دنيوي مادي او معنوي، الا ان الشيء الاهم من ذلك هو المحافظة على دوام النية وثباتها واستقرارها على طريق الاخلاص لله، فقد يكون الشروع في البداية امر يحتاج الى توجه وانتباه لتصفية النية وجعلها خالصة لله، الا ان المحافظة عليها بذات الزخم وبذات الاتجاه هو امر يحتاج الى ارادة ومقاومة للعوامل المخالفة لها واهمها هوى النفس التي يتمركز فيها الاغواء الشيطاني، والتي ينتكس فيها الكثير من الناس حتى الذين كانوا من اصحاب السوابق الحسنة في فترة من الزمان، مثل ذلك كمثل احراز الانسان مرتبة متقدمة في احد المجالات العلمية او الرياضية او الفنية، الا ان البقاء على تلك المرتبة المتميزة وعدم التخلف عنها هو مرتبة اعلى واشد صعوبة من بلوغ المرتبة السابقة، وكذلك هي مسالة دوام الاخلاص والثبات عليه وعدم التخلف عنه مع مرور الزمان وشدة المغريات والمعيقات التي تدفع للتراجع وتغير المسار.

 وهو ما اوضحه امير المؤمنين ع بقوله :
«تصفية العمل أشد من العمل، وتخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد».


   
اي ان الثبات على اخلاص العمل لله هو اصعب من ذات العمل، ولذا فقد جعل الله الثبات على النية وتخليصها من الشوائب كمسألة الجهاد الاكبر الذي يفوق مشقات الجهاد العادي فهو الذي يمثل حقيقة الاخلاص لله وابتغاء رضوانه وعليه يكون الجزاء والثمرة الاخروية العالية، ولذا قال رسول الله ﷺ :«أخلص قلبك يكفك القليل من العمل».


   فالجزاء الاخروي هو ليس بحسب الكثرة في الاعمال التي تكون فاقدة لروحها وجوهرها ومقصدها المراد منها، فالأصل في العبادات هو النوعية وليس الكمية، وعلى ذلك يترتب الأجر العظيم والفارق البيّن بين عبادة واخرى رغم اشتراكهما في الزمان والمكان، فقد تكون لصلاة او دعاء او صدقة او عمل من اعمال البر اضعاف مضاعفة مقبولة قد تصل الى سبعمائة ضعف او مالا يعلمه الّا الله، بخلاف الأجر والثواب الذي يكون لذات العمل عند فقدانه لتلك الموازين الاسلامية التي جعلها لله للمخلصين والمتقين والصابرين والمجاهدين فيه، ولذا كانت ضربة علي ع في معركة الخندق تعدل عبادة الثقلين، كما كانت الآيات الكريمة تشيد بأصحاب هذه المواقف المخلصة لله وما تنطوي عليه من ايمان وعقل، كما في قوله تعالى:


(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).وفي قوله تعالى:
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) وكذلك قوله تعالى:
(لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).


   والايات والاحاديث كثيرة في هذا الموضوع منه ما ورد عن مناجاة الله تبارك وتعالى لموسى ع أنه قال له :
«يا موسى، ما اريد به وجهي فكثير قليله (اي ان القليل من الاعمال التي يراد بها وجه الله هي كثيرة عند الله في الاجر والمنزلة)، وما اريد به غيري فقليل كثيره (اي ان الكثير من الاعمال والعبادات التي فيها شرك ليس لها قيمة عند الله تبارك وتعالى رغم كثرتها وكبر التضحيات من اجلها)»

    وهو ما لا ينبغي ان يغفل عنه اهل الايمان في عباداتهم واعمالهم ويدعون الله بالثبات عليه عسى ان يستجيب دعائهم ويشملهم بعنايته والطافه (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) .
 

وللحديث تتمة


 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com