حقيقة الإخلاص   2

 

عن امير المؤمنين ع انه قال: «الإخلاص غاية الدين».
 

اي ان الدين في قصده النهائي هو ان يوصل الانسان الى الاخلاص في التعامل مع لله سبحانه دون سواه كما بين الله سبحانه في كتابه بقوله:
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ).
(هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ).
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ).


   فحينما يوقن القلب ان لا اله الا الله، وانه هو الاول والاخر، والظاهر والباطن، والخالق والرازق، والمحي والمميت، واليه يرجع الامر كله، ويعتقد جازما ان لا يوجد غير الله مؤثرا في الوجود، وان كل شيء يعود الى قدرته وارادته وتدبيره، فعندها لن يرى اهمية لأي شيء اخر سواه، فلا يبالي برضا الاخرين اذا تعارض مع رضا الله، ولا يبالي بما يقوله الناس عنه او يعتقدوا فيه، ولا يبالي بما يلحقه من اذى منهم بسبب معتقده الديني وسلوكه الإيماني، بل لا يبالي بتغيرات الدنيا وتطور احداثها لان اصل العلاقة هي مع الخالق العظيم الذي بيده كل شيء بلا استثناء من العافية والسلامة، والغنى والكفاية، والامن والطمأنينة، والتوفيق والسعادة، وجميع امور الدنيا والاخرة.


ولذا ورد عن امير المؤمنين انه قال: «الإخلاص عبادة المقربين».
اي ان العبادة الصادقة المقبولة هي التي يكون فيها الاخلاص لله في قلب المتعبد، فلا يريد بعمله غير وجه الله ولا يرجو جزاء من غيره، لا بمدح او ثناء، ولا جزاء معنوي، ولا عطاء مادي مقابل ذلك (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) وهو ما اوضحه امير المؤمنين ع بقوله:
«طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه، وحبه وبغضه، وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وفعله وقوله».


 
وهو ما يعني ان تكون كل اعمال الانسان لله سواء في تعامله مع نفسه واحبائه واقرب الناس اليه، او مع الذين لا تهواهم نفسه او تحمل الاذى من اقوالهم وتعاملهم معه، فلا يكون في قلبه غير الله والعمل بما يحبه ويرضاه ليحظى بالمكانة عنده والمنزلة لديه والفوز بما وعد به عباده المخلصين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).


وهو ذات المقصد الذي قال عنه امير المؤمنين ع في حديث اخر:
«طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه، ولم يحزن صدره بما اعطي غيره»


   اي ان من صفات المؤمن المخلص في عبادة ربه وطاعته له ان لا ينشغل بما ينشغل به عموم الناس من الاهتمامات الدنيوية التي تغلب على فكرهم واهتماماتهم وسعيهم بل يضع الامور في مواضعها وفي درجاتها ومراتبها فيقدم ما يسأل عنه في اخرته وما يكون سببا لسعادته الخالدة في جنات الفردوس والنعيم الذي لا يزول.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com