حقيقة الاخلاص   1

 

عن الامام زين العابدين ع في (رسالة الحقوق) قال:

[فأمّا حَقُّ اللهِ الأكْبَرُ، فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيئا، فَإذا فَعَلْتَ ذلِكَ بإخلاصٍ ، جَعَلَ لَكَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَكفِيَكَ أمْرَ الدُنْيا وَالآخِرَةِ، وَيَحْفَظَ لَكَ ما تُحِبُّ مِنها] .

   من خلال الايات والروايات الواردة في موضوع الاخلاص لله، يتضح ان جوهر الدين واساسه يعتمد على عبادة الله اساسا، وهو ما وصفه الامام زين العابدين بانه حق الله الاكبر على العباد، والذي يشتمل ضمنا على فلسفة الخلق والتكاليف الالهية وما يترتب عليها من امور في الدنيا والاخرة، والتي اوضحها الله في كتابه وتحدثت بها رسله وانبيائه، الا ان الاخلاص لله هو جوهر هذه العبادة، وعليها يترتب كفاية الله لعبده المخلص له وضمان الحياة الطيبة له في الدنيا والاخرة، مع حفظ الفارق العظيم بين الحياتين في مدتها وطبيعتها ودرجات نعيمها وسعادتها والاختلاف العظيم الذي يجلّ عن الوصف والمقارنة.

   فكل ما يكون من حديث حول الاخلاص هو قليل في حقه والذي تنوّعت وتعددت الروايات التي توضيح خصائصه وصفاته وفيما يلي بعض منها.


عن امير المؤمنين ع قال: «الإخلاص مِلاك العبادة».
   اي ان الاصل الذي تقوم عليه العبادة هو الاخلاص لله وهو ما يعني ان المخلص قد اخرج من قلبه نظر الاخرين الى تقييم عمله فلم يعد يبالي بردود افعالهم السلبية او الايجابية وانما جعل الله هو المحور والمرجع الذي يرجع اليه في تقييم اعماله، فهو يفرح بطاعته له، ويتألم عند تزيين الشيطان له بمعصيته او التهاون في طاعته، فان الامور في النهاية ترجع الى الله وهو الذي يقضي بين العباد في الجنة او النار بالعدل والقسطاس المستقيم طبقا لأعمالهم الدنيوية، ولذا ورد عن امير المؤمنين ع انه قال: «الإخلاص أعلى الإيمان».
اي ان اعلى درجات الايمان التي ينبغي للمؤمن ان يبلغها هي الوصول الى الاخلاص لله في اقواله واعماله، فلا يلاحظ غير الله في ذلك ولا يهتم لمدح الاخرين او نقدهم لمواقفه وهو ما يحتاج الى تربية نفسية وعملية عالية تستشعر وجود الله في كل حين، فمن الهبات الالهية الكبرى ان يعين الله عبده على نفسه ويوفقه الى الاخلاص له في اقواله واعماله، وهو ما يستلزم ان يسعى الانسان في تعويد نفسه على الاخلاص لله في صلاته وعبادته، وفي احاديثه وكلامه، وفي تصرفاته واعماله، وهي مرحلة عالية من استشعار وجود الله في كل الاوقات والاحوال والتي وصفها امير المؤمنين ع بقوله :
«ما أنعم الله عزّ وجلّ على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره ».


  
فهي مرحلة الاجلال والتعظيم لله والتي تنشأ من الادراك لعظيم قدرته التي تدبر كل شيء في الكون بلا استثناء، وما الانسان الا خلق بسيط من خلق الله او كما قال الله تعالى: [لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ]،


    فاذا بلغ الانسان هذه المرحلة من معرفة لله وخشيته، فانه ينتقل منها الى مرحلة اعلى وهي مرحلة الحب لله وتعلق القلب به والاخلاص له والسعي لتحقيق رضوانه سواء أكانت هناك جنة او نار او لم تكن، وسواء أكان الخلود في الدنيا وعذابها او كان الخلود في الاخرة ونعيمها، وهو ما عبر عنه امير المؤمنين في مناجاته بقوله: (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك اهل للعبادة فعبدتك).
 

وما عبر عنه ع في حديث اخر بقوله:
(ان قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار).
وهو ما وضحه اهل البيت في احاديثهم .


فعن الامام زين العابدين ع قال: (اني اكره ان اعبد الله ولا غرض لي الا ثوابه فأكون كالعبد الطمع، ان طمع عمل والا لم يعمل، واكره ان اعبده لخوف عقابه فأكون كالعبد السوء ان لم يخف لم يعمل، فقيل له فلم تعبده؟ فقال ع : لما هو اهله بأياديه عليّ وانعامه).


وعن الامام الرضا ع قال: (لو لم يخوف الله الناس بجنة ونار، لكان الواجب ان يطيعوه ولا يعصوه، لتفضله عليهم واحسانه اليهم وما بدأهم به من انعامه الذي ما استحقوه) فإنعام الله وفضله قد سبق عمل الناس بل سبق خلقهم بما هيأ لهم سبل الحياة والعيش ولا يزال يحيطهم في كل لحظة وثانية بفضله وكرمه واحسانه.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com