ذخائر الرحمة    6

 

عن امير المؤمنين ع قال:
«المداومة المداومة، فإن الله لم يجعل لعمل المؤمنين غاية إلا الموت».
 

  اشتملت الايات والروايات على ان الايمان الحقيقي يتجسد بالعمل اذ من دونه لا تتبين حقيقة الانسان وما ينطوي عليه في مكنون ذاته، فمن السهل الادعاء بالتسليم والطاعة ولكن الواقع الفعلي هو الذي يكشف عن حقيقة الانسان وصدق ايمانه ومدّعاه، ولذا فقد جعل الله سبحانه العمل هو الميزان الحقيقي الذي تقاس عليه الاعمال في الاخرة وبموجبه يكون الجزاء الاخروي فقال سبحانه: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).

    ومن هنا فقد يثار تساؤل عن طبيعة الاعمال والمدى الذي ينبغي تستغرقه من الزمان، وهو ما اجاب عليه امير المؤمنين بقوله: (إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين غاية إلا الموت)، اي ان العمل الصالح ينبغي ان يتواصل مهما كانت الظروف والاحوال لأنه يمثل رصيد الانسان في الاخرة والذي يتحدد بموجبه مكانه ودرجته فيه، فالاندفاع في الاعمال او المساهمة فيها لمدى معين او فترة معينة ثم ينسحب العامل منها ويترك موقعه او المواصلة لعمله، انما يمثل في حقيقته انتكاسة وتراجعا لا ينتهي بخير، بل قد ينتهي به الى سوء العاقبة كما اشتملت عليه وقائع التاريخ القديم والحديث.
كما ان مضمون الحديث ينبّه الى الاستمرار بما يريده الله من عبده والمواصلة عبر هذا المسار، فقد يتواصل العمل الا انه ينحرف عن الطريق الذي اراده الله منه، وهو ما يمثل خطرا على عاقبة الانسان، فلا يطاع الله من حيث يعصى، ولذا ورد عن رسول الله ص انه قال:
«المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل، أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء».


   اي ان العمل الصالح القليل المعتمد على سنن المعصومين واثارهم هو افضل من العمل الكثير الذي لا جدوى منه والذي يعتمد على الاهواء والبدع والتصورات الشخصية التي لا تقوم على اساس الدين، وهو ما اكده الامام الصادق ع بقوله: «العمل الدائم القليل على اليقين، أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين».
اي ان المطلوب هو اليقين بما يعمله الانسان من الصالحات والذي لا يكون الا بالاعتماد على كتاب الله وسنن المعصومين الذين يتصلون بحبل الله وليس على التصورات والافكار الذاتية والتي تقوم على الهوى والافكار الشخصية حتى وان غلفت بغلاف اسلامي.

     فما يسمى به البعض اليوم من اصحاب السلوكات او الطرق الخاصة لبلوغ حالة الكشف الغيبي او ما يسميه البعض الاخر بالعرفان، انما نوع من السلوكات المعوجة التي تعتمد الفكر الذاتي والذي تختفي فيه خلف العناوين البراقة والمتذرعة ببعض الشخصيات الدينية التي اشتهرت (بعد زمانها) بانها كانت لديها العلم والكشف بالغيب، ولو عاد بهم الزمان الينا لنفوا بأنفسهم ما نسب اليهم من معرفة.

    ومن اجمل ما روي عن المرجع الكبير اية الله الشيخ الانصاري والذي لا تزال بعض كتبه تدرس في الدراسات الحوزوية ككتاب المكاسب، انه عندما كان مقيما في النجف الاشرف قد ذهب في بعض الايام مع خادمه لزيارة قبر امير المؤمنين قبل الفجر والصلاة في مرقده ولم يكن وقت الاذان قد حل بعد، فوجدا باب الحرم العلوي مغلقا فجلسا جنب الباب حتى تفتح، فقال له خادمه لماذا الجلوس يا سيدي وانت احد المراجع العظام وقد كان من المراجع من هو اقل منك ولكن كانت تفتح لهم الابواب ذاتيا كرامة لهم؟ فقال له المرجع الكبير (طيب الله ثراه) وسيروى عني كذلك بعد موتي المعاجز ومنها انه كانت تفتح لي الاقفال والابواب المغلقة كرامة لي!
فمن يطلع على الروايات الصحيحة التي تتحدث عن اهل العرفان يجد انه لا تنطبق الا على حجج الله المعصومين الذين فتح الله ابصار قلوبهم لمعرفته وما اتاهم الله من فضله وعلمه وكرامته ما يليق بشأنهم ومقامهم وفي نهج البلاغة شواهد مهمة عن ذلك.
اللهم نور قلوبنا بنورك واهدنا بهداك ووفقنا الى رضاك
ونسالكم الدعاء..

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com