ذخائر الرحمة   5

عن رسول الله ص قال: «إذا عملت عملا فاعمل بعلم وعقل، وإياك وأن تعمل عملا بغير تدبر وعلم، فإنه جل جلاله يقول:﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾»


   وعد الله عباده الذين امنوا وعملوا الصالحات حسن الجزاء في الحياة الطيبة في الدنيا اضافة الى حسن الجزاء في الاخرة والتي هي الحياة الحقة الخالدة والتي خلقت الدنيا من اجلها اذ ان العمل هو رأسمال الانسان الذي يقدم به على ربه ليكون سببا الى تحصيل جنة الخلد او الخلود في العذاب الاليم في جهنم، ومن هنا كثرت الآيات والروايات التي تتحدث عن طبيعة هذا العمل ونوعيته ابتداء من الاخلاص لله فيه والذي هو جوهره وروحه الى صفاته الاخرى اللازمة لسلامته، فالتعامل مع الله ليس كالتعامل مع الناس وانما هو التعامل مع الخالق والرازق والمدبر والمحي والمميت والذي بيده الامر كله ولا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء فلا اله غيره ولا شيء سواه.


    وهو ما يحتاج فيه الانسان الى العقل والفهم والتدبر للآيات والاحاديث لئلا يتحول دين الله الى عقائد منحرفة تقوم على الخرافات والاحلام والتصورات والخيالات والافكار المعتمدة على الروايات المكذوبة والافكار السقيمة، والتي تنتشر اليوم عبر وسائل الاعلام الحديثة ومنها شبكات التواصل الاجتماعي التي اصبحت موجودة في كل مكان تقريبا حيث يستقي الناس منها افكارهم وتصوراتهم للدين وقيمه، ومن هنا يتضح معنى حديث رسول الله ص بقوله: «العلماء كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر»

    فالخطر الذي يهدد المخلصون هو ان يزيّن الشيطان لهم اعمالهم فيحرفهم عما اشتمل عليه كتابه من معاني التوحيد الخالص ليضيعوا في متاهات الدنيا وزينتها ويميلوا عن الاستقامة والثبات على دينه وصراطه المستقيم، ولذا ارتبط الدين مع حجج الله من الانبياء والائمة المعصومين ليكونوا الدليل والهداة اليه كما في الحديث النبوي الشريف :
(اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)

    فلا يضيع الناس في افكارهم واوهامهم وتقاليدهم وطقوسهم لتصبح بعد ذلك جزء من الدين ،ثم ينتهي الحال بانحراف الدين عن اصوله فيتركه الناس ويهجروه، ولذا كان التأكيد في حديث الرسول في اول البحث على العلم والعقل والتدبر بقوله ص: «إذا عملت عملا فاعمل بعلم وعقل...»، لكي لا يكون ذلك سببا لضياع عمل الانسان وجهده الدنيوي والاخروي كالمثل الذي ضربه الله في كتابه بقوله (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) وهي قصة المرأة المتخلفة عقليا والتي كانت تغزل ثم بعد انتهاء الغزل واكتماله تعود الى تفكيكه لتغزله مجددا، ثم تعيد تفكيكه وغزله مرة بعد اخرى، وهو ما اكدت عليه الآيات الكثيرة في القران من استخدام العقل والفكر كما في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)،(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)،(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)،(أَفَلَا يَعْقِلُونَ)،(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ)، وما شابه من آيات اخرى.


   ذلك ان دين الله مستمد من عند الله فمحال ان يقوم على الجهل والخرافة والانحرافات البشرية مما يستدعي من حملته والداعين اليه ان يكونوا بمستوى رسالته ومفاهيمها العالية فهما وعلما وعملا ليدركوا من انواره وهداه ما فيه سعادة الدنيا ونعيم الاخرة .


اللهم نور قلوبنا بنورك، وافتح مسامع قلوبنا وعقولنا لكلامك، واهدنا بهداك وخذ بأيدينا الى سبل رضاك
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com