ذخائر الرحمة   1

 

عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم  في بعض وصاياه لابي ذر قال:


(اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)


    هذه الجواهر من الحكم لا يدرك الانسان قيمتها غالبا الا بعد زوالها عنه، فطبيعة الشباب وما فيه من قوة وقدرة واماني واحلام تدفع الانسان للاشتغال بالدنيا وكانه باق فيها ابدا وكان الاشياء ستدوم على حالها واوضاعها، بينما لو تأمل فيما حوله من الاباء والابناء وما احدثته الايام فيهم، لادرك حقيقة الدنيا ومحدوديتها وعمرها الفاني، فهذا ابوه الذي كان قويا في جسمه وقدرته وحركته قد اصبح الان عاجزا عما كان يستطيع فعله في شبابه وزال عنه الحول والقوة والقدرة، وهذه امه التي كانت تشع بجمالها ونشاطها وحيويتها قد اكلت الايام محاسنها وقوتها ونشاطها، هذا ان كان لم يسبق لهم الموت ومد الله في اعمارهم، اما اذا لفهم الموت في ثناياه واودعهم تراب الارض فلن يبق منهم اليوم الا عظاما نخرة طواها السنين والاعوام وزال وجودهم الدنيوي، وستزول عما قريب ذكراهم من الحياة ولا يبقون الا رسوما في الذهن تتلاشى مع مرور الازمان حتى تمحى كليا عن الدنيا.

    وها هو ابن اليوم يسير على خطاهم وسيحل به ما حل بهم ان امهلته المقادير الالهية في الحياة كما امهلتهم، فلو تأمل في اولاده وزوجته لشاهد اثر الايام فيهم، فبعد ان كانوا صغارا لا يستطيعون الكلام والمشي ها هو اليوم يلعبون ويدرسون ويتحدثون ويملئون البيت ضجيجا وهو غافل عن مدى نموهم وتقدمهم في العمر ولكنه لو شاهد بعض اطفال غيره لتعجب من مقدار نضوجهم ومرور السنين من عمرهم وكيف اصبحوا صبية وشبابا بعد ان كانوا اطفالا صغارا.

     والحق ان نفس المدة من السنوات التي مرت عليهم قد مرت على ذات الانسان ليكتشف فجأة انه قد اقترب من نقطة مفارقته الدنيا وانتقاله للأخرة فالمدة قد ضاقت وتناقصت بعدد السنين التي غفل عنها! ثم ليكتشف بعد تقدم العمر زوال قواه وقدرته واماله، فاذا به عاجز عن ان يعيش في حاله وقوته وعافيته واماله السابقة هذا ان لم تعاجله الايام والاحداث بما لم يحسب حسابه من الامراض والاحداث والمتغيرات الخارجة عن ارادته، وهكذا هو الحال في عدم دوام العافية مع مرور السنين، ومثلها في عدم دوام الغنى والثروة مع العواصف السياسية والاقتصادية التي تلعب بالدنيا وتغير الاحوال فيها.

     وكذلك هو الحال في مشاغل الدنيا وتقلباتها بين الفراغ والاشتغال، وهو ما نبّه اليه رسول الله في تتمة حديثه بقوله:

(يا أباذر إياك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غدا لم تندم على ما فرطت في اليوم، يا أباذر كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه؟ لو نظرت إلى الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروره، يا أباذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك فإنك لا تدري ما اسمك غدا).

فقد يقال عنه المرحوم في عالم الدنيا، اما في عالم الاخرة فاسمه يترافق مع طبيعة عمله بين السعادة والشقاء
اللهم نور قلوبنا بنورك واهدنا بهداك ووفقنا الى رضاك
ونسالكم الدعاء

التالي

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com