ذخائر الرحمة    14

 

عن امير المؤمنين ع قال:

[وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مَنْتَهَى بَصَرِ الاْعْمَى، لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا، فَالبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ، وَالاْعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ، وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ، وَالاْعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ].

   هناك نظران الى الدنيا، نظر بالبصر ونظر في البصيرة او القلب الواعي، فما يشاهده البصر هو ظاهر الامور في الدنيا فيرى مشاهدها الانية ومقاطعها الظاهرية من التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تتعلق بالفرد او المجتمع، فهو يرى مقاطع من فلم الحياة واثارها على الافراد، فقد يرى افتقار الانسان بعد غناه او يرى غناه بعد فقره، او يرى مرضه الدائم بعد عافيته الشاملة، او عافيته الدائمة بعد معاناته المرض العضال، او فشله وتدهور حاله بعد نجاحه السابق، او نجاحه وارتفاع نجمه وعنوانه بعد فشله، او يرى قوته وجبروته بعد ضعفه، او ضعفه من بعد قوته وعزته، او غير ذلك من الحالات التي تعرض على الانسان في حياته، اما البصير في القلب فهو لا يقنع بالمقطع المجزأ من فلم الحياة وانما يرى الفلم كاملا بعقله ويرى الاعراض والاسباب والنتائج ليستخلص منها العبر والدروس.

     فمن يتأمل في الحياة يرى ان كثيرا من المشاهد الظاهرة تحتاج الى نهايات، فالذي يُقتَل ظلما او يُسلب ماله ويعتدى على حقوقه لابد وان يعطى حقه من قبل الخالق العظيم، ومن ارتكب الظلم والمجازر لابد وان يجازى على عمله بالقصاص العادل، والا فلا معنى للربوبية والعدالة الالهية ولا معنى للطاعة والمعصية، وهذا مالا يتم فعله في الدنيا مما يدل على وجود مكان اخر لإقامة العدل الالهي.

     وهو ما اخبر الله عنه في كتابه من ان هذه الدنيا هي دار للامتحان والابتلاء، وان الاخرة هي دار الجزاء والحصاد (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)، ولذا تجد الناظر للدنيا بعينه يأخذه الطمع في زينة الدنيا ويطمح للنيل من شهواتها ونفعها العاجل (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، بينما تجد الناظر للدنيا بقلبه وعقله معرضا عن لهوها وزينتها وزبرجها (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) فكانت النتيجة النهائية ما اخبر الله به في كتابه الكريم بقوله:


(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلَا أَن مَّنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).


اللهم نور قلوبنا بنورك واهدنا بهداك، وأذهب عن قلوبنا حب العلو في الارض في المال والمقام وزينة الدنيا واجعل سعينا وشوقنا فيما وعدت به الاخيار من عبادك الصالحين.

ونسألكم الدعاء

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com