ذخائر الرحمة    12

 

عن الامام الصادق ع قال:
«ما من يوم يأتي على ابن آدم إلا قال ذلك اليوم: يابن آدم أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فافعل بي خيرا واعمل في خيرا أشهد لك يوم القيامة، فإنك لن تراني بعدها أبدا».


   من فضل الله ولطفه بعباده انه يفتح لهم في كل يوم صفحة جدية ليبدأوا بها حياة جديدة، فلا يصيبهم اليأس فيما نالوه من اعمالهم السيئة السابقة، ولا يصيبهم الغرور فيما قدموه من اعمالهم الحسنة الماضية، فالأمل لازم للإنسان لمداومة الحياة والاستمرار في نشاطها وفعالياتها لتكون لحياته معنى دنيوي فيما يقدمه من اعمال وجهود لمستقبله الذي يطمح في تحقيق امانيه المرجوة فيه ، كما تكون لها معنى اخروي فيما يؤسسه لحياته الاخروية القادمة من الاعمال الصالحة التي يتلافى تقصيره فيما مضى من العمر ويضيف الى حسناته او رصيده الذي يحتاج اليه في اخرته، فهذا التوازن بين الدنيا والاخرة هو من الاسس التربوية التي يقوم عليها الاسلام في التربية للإنسان المؤمن الذي يستفيد من وجوده الدنيوي لتأسيس حياته الاخروية، فلا يكون تطرف في مواقفه واعماله التي تميل به الى جهة دون اخرى، فلا ينسى الاخرة في غمرة الاعمال والمشاغل الدنيوية، ولا يهمل الدنيا في تطرفه في العبادات والالتزامات الدينية، وهو ما عبر عنه امير المؤمنين في حديثه المشهور: (اعمل لدنياك وكأنك تعيش ابدا (اي كأنه لا يوجد موت ولا فناء دنيوي)، واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا ) (اي كأنه لا توجد فرصة من العمر للبقاء في الدنيا)، ولكن الناس للأسف يتذكرون القسم الاول من الحديث ويعملون به وكانه لا موت ينتظرهم، وينسون القسم الثاني من الحديث، ولذا يختل التوازن عندهم في العمل للدنيا والاخرة في ان واحد.


   كما ان في حديث الامام الصادق في اول الكلام لفتة مهمة وهي التنبيه الى الاهتمام باليوم الذي يعيشه الانسان وكأنه لا يعيش بعده يوما اخر فمن يدري كم سيكون عمره غدا، هل يعيش اليوم كله او نصفه او بعضه او ساعة منه او او اقل او اكثر؟ فها هي قصص الاحياء الذين عرفهم او عاش معهم شخصيا او كلمهم قبل فترة قصيرة من الوقت واذا به يتفاجأ برحيلهم عنه بلا مقدمات ولا اخبار حيث جرت بهم المقادير الى نهاية عمرهم الدنيوي فالموت سر من اسرار الله المحجوبة عن البشر ليكون الانسان على يقظة واستعداد لمواجهة مصيره النهائي فيما قدمه لنفسه لحياته الاخروية، ومن يدري فقد يكون الموت حليفه في اية لحظة من دون مرض ولا عرض ولا حادث عابر واقلها سكتة في القلب او الدماغ او ما شابه ذلك فما دام عمر الانسان مرتبط بالمدد الالهي في كل لحظة وثانية فهو خاضع للمشيئة الالهية في الحياة والموت من دون ان يستطيع ان يدفع عنه القدر الالهي والارادة الالهية او كما قال في كتابه الكريم:


(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ )
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)


  
وهو مدعاة للتفكير بعمق في حديث الامام الصادق بقوله:
«ما من يوم يأتي على ابن آدم إلا قال ذلك اليوم: يابن آدم أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فافعل بي خيرا واعمل في خيرا أشهد لك يوم القيامة، فإنك لن تراني بعدها أبدا».
ونسألكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com