الزواج السعيد   9

 

الزواج السعيد القسم الثاني


بعد انتهاء القسم الاول من البحث الذي تناول روايات الترغيب في الزواج والاسس التي ينبغي ان تلاحظ في الاختيار المناسب للزوج والزوجة، ننتقل الى القسم الثاني الذي يتضمن طبيعة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة والاسس الشرعية التي تتعلق بكل طرف في البناء العائلي للأسرة المسلمة.


- العلاقات الزوجية في الاسلام


تتميز العلاقة الزوجية في الاسلام بانها علاقة تفاهم وتعاون تقوم على فهم الطبيعة الخاصة للرجل والمرأة التي جعلها الله في كل منهم ثم تنظيمها وفق المنظور الديني الالهي، فهي ليست علاقة صراع او ساحة حرب بين الزوج والزوجة يستبد فيها الطرف الاقوى ويفرض شروطه بالقهر والقوة على الطرف الاخر، ولا هي ميدان منافسة يحاول كل طرف منهم ان يحصل على اكثر الامتيازات والخدمات من الطرف المقابل، وانما هي حياة تكاملية يكمل كل منهم ما يحتاجه الطرف الاخر بحكم الخلقة الالهية للرجل والمرأة وتنظيم العلاقة بينهما بما يحفظ الحقوق الخاصة التي جعلها الله بعهدة كل طرف منهم تجاه الاخر، فهي حياة تعاون وتفاهم قائم على المحبة والايثار واسعاد كل طرف للطرف الاخر بما يستطيع عليه، فقد اعطى الله للإنسان الامتيازات الذكرية من القوة والقدرة على تحمل مشاق العمل وتبعاته الصعبة لتامين احتياجات الاسرة التي جعلها الله في ذمته، كما اعطى المرأة الامتيازات الانثوية المكملة من العاطفة والحنان والصبر والتحمل لمشاق الحمل والعناية والرضاعة للطفل الوليد والقيام بالمسئوليات الداخلية لشؤون المنزل، ومنها التربية الاولية للأطفال ليساهم الاب بعد ذلك في المراحل الاخرى من تحمل المسئولية الاكبر في تربية الاطفال واعدادهم لممارسة دورهم في الحياة، علما بان هذا التقسيم الاولي للمسؤوليات الاسرية لا تعني الانفصال الكامل بين الابوين في مسئولياتهم تجاه الابناء، بل ان كلا من الاب والام يتحمل المسئولية المشتركة في جميع المراحل عن سلامة الطفل الصحية والتربوية ولكن بالمقدار المتعلق به في كل مرحلة وبالحدود الالهية التي وضعها الله لئلا تضطرب ادارة الامور العائلية وتضيع بين الافراط والتفريط .
 

- توزيع الادوار
 

من اجل ضمان الحقوق التكاملية المتبادلة بين الزوجين فقد جعلت الشريعة دورا بينا لكل من الرجل والمرأة في الاسرة، فقد جعل الله في عهدة الزوج وظائف إتجاه زوجته، كما جعل في عهدة الزوجة واجبات تجاه زوجها، حيث ينبغي ان يعرف كل طرف حقوقه التي له وعليه، فهذا هو المقدار الشرعي الواجب الالتزام به، او الحدود الالهية التي يحاسب الله عليها على كل طرف عند تقصيره بحق الطرف الاخر، وهو ما يعني ضرورة المحافظة من قبل الطرفين على عدم انتهاك هذه الحقوق بكل الاحوال خشية الوقوع في العقوبات الالهية الدنيوية والاخروية، الا ان العاقبة السعيدة للانسان عموما لا تقوم على اداء الواجبات الضرورية فحسب، بل ينبغي الذهاب الى اكثر من ذلك، دفعا للنقص والتقصير في اداء الواجب، فمن اراد رضا الله ونيل المنزلة عنده لا يكتفي باداء فروضه الواجبة من الصلاة والصيام والحج والزكاة فحسب وان كان فيها نيل الجنة في حالة سلامتها، بل ينبغي ان يسعى في دفع ما تعلق برقبته من الاقوال والاعمال التي تضيف السيئات الى حسناته فتنقص من رصيدها، بل حتى قد تهدد هذا الرصيد بالخطر اذا كان مقدار السيئات يزيد على الحسنات وتنتهي به الى دخول النار، كالتاجر الذي يكون ربحه كثيرا ولكن انفاقه وصرفه هو اكثر من ربحه فينتهي به الامر الى الافلاس والخسارة.
عن رسول الله ص انه قال ذات يوم لأصحابه اتدرون ما المفلس؟ فقيل المفلس فينا من لا درهم له.
فقال ص:(المفلس من امتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم [هذا]، وقذف هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل ان يقضي ما عليه، أٓخذَ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).


ذلك ان دين الله هو وحدة كاملة من الموضوعات والاعمال المتسقة مع بعضها والتي تنتظم حول محور واحد هو الطاعة لله والالتزام باوامره ونواهيه، ولذا فان التجزئة فيه هي مسألة نسبية لغرض بيان الحدود والقيود، فالطاعة لله ينبغي ان تكون طاعة كاملة في كل ما يريده الله من عبده والتي اشتمل عليها الدين في تفاصيله، ومنها مسألة الواجبات الزوجية فان الواجبات هي سور لعدم الارتطام بالمحرمات، الا ان السعادة الزوجية والحياة الهانئة بين الطرفين تتطلب ان يسعى كل منهم في تقديم ما يستطيع عليه في اسعاد المقابل والتضحية من اجله.


ولئن جعل الاسلام مقاليد القيادة العامة بيد الرجل بقوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) فان ذلك هو من باب تنظيم الامور، اذ لابد للسفينة من ربان وقائد والا فإنها تتعرض للغرق وسط العواصف والاعاصير، ولا يخفى ان هذه القيادة للرجل مشروطة بشروط شرعية وعقلية تنتفي عند عدم قدرة الزوج على تحقيقها، ليطبق عندئذ الاحكام الخاصة في مثل هذه الموارد، وهنا تتبين حكمة الاسلام في تنظيم الامور الزوجية دفعا للمشاكل التي قد تحدث بين الزوجين والتي قد تهدم عرى العلاقة الزوجية وتترك اثارها السيئة على الطرفين وعلى المجتمع عامة.


ولئن اتاح الاسلام الطلاق فانه اخر الحلول وهو حل اضطراري عندما تتوقف الامور وتنعدم القدرة على التفاهم والعيش المشترك بين الزوجين، وهو ما عبر عنه بانه ابغض الحلال عند الله، نظرا لما يتركه من اثار سيئة على الزوج والزوجة وعلى الاولاد بشكل اخص وعلى المجتمع بشكل عام، فهو حل اضطراري لا ينبغي ان يأتي ذكره على الالسنة او القلوب عند الاختلافات او المشاكل بل ينبغي للزوجين ان يسعى كل منهما في محاسبة نفسه ومراجعة سلوكه لتحقيق الحياة السعيدة للطرف الاخر، فهذا هو مقتضى قوله تعالى ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
 

تتمة البحث

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com