الزواج السعيد   20

 

     عن امير المؤمنين ع بعد انتهاء واقعة الجمل قال مخاطبا لاهل البصرة ومؤنبا لهم على افعالهم:


:«كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ، أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ، ومَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ ،كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا وَ غَرَّقَ مَنْ فِي ضِمْنِهَا»


قد اتضح مما تقدم ان الغرض من كلام امير في ذم المراة كان هو معالجة الواقع السياسي الصعب الموجود في زمانه من دون تعريض الاسس الاسلامية للخطر، فكان للكلام ظاهر ولكن كان له باطن يتعلق بالفتن والمحرضين لها، الا ان ظاهر كلام الامام هو صحيح ايضا، فالامام لا يكذب ولا يرائي ولا يقول الا حقا فكيف يفسر كلامه في عدم طاعة النّساء والاتقاء منهنّ لكونهنّ ناقصات الدين والحظ والعقل كما ورد في نص كلامه بعد واقعة الجمل بقوله:
«مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الاْيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ، فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاِةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الوَاحِدِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الاْنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَر، وَلاَ تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ»


فلا ينبغى للكامل إطاعة النّاقص حيث يبين الامام موارد نقص المرأة بقوله: (معاشر النّاس إنّ النساء نواقص الايمان نواقص الحظوظ نواقص العقول) ثم يبين اسباب نقص المراة في ذلك فيتطرق الى موارد نقصهن في الايمان فيقول:(فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاِةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ) فكيف يمكن تفسير هذا القول مع ان ترك المرأة للصلاة هو بأمر ربها ولو صلّت لكان ذلك عصيانا لأمر الله، فكيف تكون ناقصات الدين بطاعتهن لله؟ فإن حالهن في ذلك هو حال الصائم الذي أوجب الله عليه الافطار في سفره، فهو يعتبر مطيعا لأمر الله بإفطاره ولو صام في سفره فانه يعتبر عاصيا لامر الله، فما هو التفسير اذن للنقصان في ايمان المرأة بقوله ع: (فأمّا نقصان ايمانهنّ فقعودهنّ عن الصّلاة و الصّيام في أيام حيضهنّ)


والجواب على ذلك هو ان قعود النساء عن الصلاة والصيام ايام الحيض، وإن كان هو بأمر اللّه سبحانه ولا عقاب عليه، إلاّ أنّ سقوط التّكليف انما كان بسبب حدوث سبب لازم له والذي استدعى رفع التكليف عنهن، وسبب النقص هو حالة الاستقذار من نزول الدم والعفونة عند الحيض او الحدث المانعة من القرب المعنوى المشروط في العبادات، فالطهارة هي من اهم الشروط في قبول العبادات للرجل او للمرأة، ولما كان الايمان مركب من عدة عناصر وليس صفة واحدة كالأبيض والاسود او الصدق والكذب كما ورد في الروايات الصحيحة فان استمرار الرجل في العبادات من دون تعطيل في اي زمان او مكان يجعل رصيده الايماني اكبر من رصيد المراة في الاحوال العادية وهو ما يشير اليه الامام في النقص عند المرأة (وان كان مقصده الظاهري سياسيا)، ومن اجل ايضاح حقيقة الايمان من انه يشمل مجموعة من الاعمال وان الأعمال هي اجزاء الايمان فيما تقدم به الحديث نذكر الروايات التالية الواردة في الكافي .


عن أبي جعفر الباقر ع قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام : من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله كان مؤمنا ؟    فقال ع :[ فأين فرائض الله؟]


كما ورد عن امير المؤمنين ع انه قال: [لو كان الايمان كلاما، لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام].
وهو ما يدل على ان الايمان ليس كلام يقال باللسان فقط كإعلان الشهادتين في الاسلام وانما يعتمد على الاعمال ولذا كان التفريق جليا بين الاسلام والايمان في القران بقوله تعالى:
[قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ].


وكذلك ما جاء من الروايات التي تبين طبيعة الايمان من كونه مركب يحتوي على مجموعة من الاشياء والتي ترتبط بالعمل كما في الاحاديث التالية المروية عن النبي ص حيث قال:
[ليس الايمان بالتخلي (اي بالخلوة والابتعاد عن الناس) ولا بالتحلي (اي بالتظاهر بالمظهر الايمانية في الملبس والمظهر) ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل].
[ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن الايمان ما خلص في القلب وصدقه العمل]
[الايمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان]
[الايمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالأركان]


ولذا توجد اكثر من خمسين رواية في تعريف مصاديق الايمان كما في الحديث عن رسول الله ص حيث قال:
[ان الرجل لايكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ويكون لسانه مع قلبه سواء ولا يخالف قوله عمله]

والاحاديث كثيرة في توضيح مصاديق الايمان العملية الا ان الاساس فيها هو العمل والذي يعني زيادة رصيد الانسان من الحسنات في الحساب الاخروي عند استمرار العمل الصالح وقلته عند التوقف وهو ما قال فيه رسول الله [الايمان قول وعمل يزيد وينقص ]
وهو المراد من قول امير المؤمنين عن نقصان ايمان المرأة مقارنة بالرجل في حال انقطاعها عن الصلاة والصوم وان كان ذلك بأذن الله ومن دون ترتيب عقوبة عليه.


وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com