الزواج السعيد    19 

 

    وقال ابن مخنف قبل حرب الجمل ان عائشة جاءت إلى أم سلمة لتقنعها بالخروج للطلب بدم عثمان، فقالت لها يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله ﷺ وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة: لأمر ما قلت هذه المقالة!، فقالت عائشة إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا بنا، فقالت أم سلمة : إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلا ! وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله ﷺ أفأذكرك؟، قالت عائشة نعم، قالت أتذكرين يوم أقبل ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية فقلت ما شأنك؟ فقلت إني هجمت عليهما وهما يتناجيان فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فأقبل رسول الله ﷺ عليّ و هو غضبان محمر الوجه، فقال ارجعي وراءك، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس، إلا وهو خارج من الإيمان، فرجعت نادمة ساقطة، قالت عائشة نعم أذكر ذلك، قالت: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيسا وكان الحيس يعجبه، فرفع رأسه وقال يا ليت شعري! أيتكن صاحبة الجمل الأذنب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟ فرفعت يدي من الحيس فقلت أعوذ بالله وبرسوله من ذلك، ثم ضرب على ظهرك: وقال إياك أن تكونيها! ثم قال: يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميراء، أما أنا فقد أنذرتك، قالت عائشة نعم أذكر هذا، قالت ام سلمة: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله فيخصفها ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فَنَقبت لرسول الله نعل فأخذها علي يومئذ يخصفها وقعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه ثم قالا يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا، فقال لهما أما إني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران فسكتا ثم خرجا، فلما خرجنا إلى رسول الله ﷺ قلت له وكنت أجرأ عليه منا، من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم؟ فقال خاصف النعل، فنظرنا فلم نر أحدا إلّا عليا، فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا عليا فقال هو ذاك، فقالت عائشة نعم أذكر ذلك، فقالت فأي خروج تخرجين بعد هذا؟ فقالت عائشة إنما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر إن شاء الله، فقالت لها ام سلمة أنت ورأيك، فانصرفت عائشة عنها، وكتبت أم سلمة بما قالت وقيل لها إلى علي ع ، وذهبت عائشة الى البصرة لتحضر معركة الجمل.


    ثم نقل الواقدي عن معركة الجمل قال: أنّه ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل، وأكثره لبني ضبّة والأزد الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه، ويدافعون عنه وكانه مقام رسول الله، ولقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل، والأيدي تطيح من المعاصم، وأقتاب البطن تندلق من الأجواف، وهم حول الجمل يقاتلون كالجراد الثابتة لا تزلزل ولا تتحلحل (اي لا تزول عن موضعها)، حتّى لقد صاح امير المؤمنين بأعلى صوته: ويلكم: اعقروا الجمل فانّه شيطان، ثمّ قال ع اعقروه وإلاّ فنيت العرب، لا يزال السّيف قائما وراكعا حتّى يهوى البعير إلى الأرض، فعمدوا له حتّى عقروه فسقط وله رغاء شديد فلمّا برك كانت الهزيمة، وإليه أشار ع بقوله:(وعقر فهربتم) .


    ثم قال أبو مخنف في روايته (فلمّا رأى عليّ ع أنّ الموت عند الجمل وأنّه ما دام قائما فالحرب لا تطفأ، وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه، وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه، والخطام مع بني ضبّة فاقتتلوا قتالا شديدا، واستحرّ القتل في بني ضبّة، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وخلص عليّ ع في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل فقال لرجل من النخع اسمه بحير: دونك الجمل يا بحير، فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه وضرب بجرانه (اي بحمله) الأرض، وعج عجا شديدا لم يسمع بأشدّ منه، فما هو إلاّ أن صرع الجمل حتّى فرّت الرّجال كما يطير الجراد في الرّيح الشّديدة الهبوب، واحتملت عائشة بهودجها فحملت إلى دار عبد الله بن خلف وأمر علي ع بالجمل أن يحرق ثمّ يذرى بالريح، وقال: لعنه الله من دابّة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل».
ثم قال امير المؤمنين ع بعد انتهاء وقعة الجمل مخاطبا لاهل البصرة ومؤنبا لهم على افعالهم اقوال شتى كان منها:


وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com