خصال المؤمن   11

 

في تتمة الحديث النبوي السابق عن خصائل المؤمن وعن طبيعة كلامه وما ينبغي ان يكون عليه من المحتوى والبلاغة، فقد اكدت الاحاديث الشريفة عن النبي واهل بيته على الاهتمام بالمضمون والمحتوى اساسا وشجبت الاحاديث التي تعتمد على الاسلوب فقط .


عن رسول اللهﷺقال:
[ابغض الناس الى الله تعالى البليغ الذي يَتخَلَّل بلسانه تخللّ الباقرة بلسانها].


والمراد بالحديث هو الخطيب الذي يحاول ان يوصل للناس كلامه من خلال الاسلوب الخطابي فقط بالتلاعب بالألفاظ وطريقة الالقاء فيضخم الكلام او يمده او ينطق به بصورة خاصة مميزة بحسب مقصده الذي يريده منه، فيحرك لسانه بالكلام كما تحرك البقرة لسانها عندما تأكل، فان مثل هذا الشخص يكون بغيضا عند الله، لان جوهر حديثه خالي من القيم والمفاهيم الصالحة ويشغل الناس بأسلوبه وكلامه الذي لا جدوى منه، وهو ما يتجلى عند مشاهدة بعض خطباء الجمعة او بعض الخطباء الذين يطيلون في الكلام من دون جدوى وكأنهم يحركون العلك في افواههم لتمضية الوقت سدا.
 

وقد نقل ابن الاثير الحديث ذاته بتعبير مشابه بالنص التالي: [إِن الله يُبْغِض البليغ من الرجال الذي يَتَخَلَّل الكلام بلسانه كما تَتَخَلَّل الباقرةُ الكلأَ بلسانها].
ثم قال ابن الأَثير معلقا: الذي يتخلّل الكلام بلسانه هو الذي يتشدَّق في الكلام ويُفَخِّم به لسانه ويَلُفُّه كما تَلُفُّ البقرة الكلأَ بلسانها لَفًّا.
 

وعن رسول اللهﷺقال:
[سيكون قوم يأكلون بالسنتهم كما تأكل البقر من الارض]
اي يشترون بألسنتهم واحاديثهم المال الحرام و المصالح الدنيوية البحتة تقرّبا وتزلّفا للحكام او اصحاب النفوذ السياسي فتجدهم يسارعون في مدحهم والثناء عليهم كما تجدهم ينتقلون من موقع لأخر وان كان نقيض الموقع الاول بحثا عن الدنيا دون حياء او خجل.


وعن رسول اللهﷺقال:
[إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيّقهون المتشدّقون، وإن أبغض الناس إلى الله من اتقاه الناس للسانه].
الثرثارون اي الكثيري الكلام عموما، والمتفيهقون هم الذين يتظاهرون بالفقه والمعرفة فيه، والمتشدقون هم المتكلمون من اشداقهم، والشدق هو جانب الفم، وتَشَدَّق في كلامه اي فتح فمه واتسع فيه عند كلامه، والشداقُ من سِماتِ الإبل، والمُتَشَدِّق هو الذي يَلْوي شِدْقَه للتَّفَصُّح، يقال مُتَشَدِّق في منطقه إذا كان يتوسع فيه لرُحبِ شِدقيه او سعتهما، وقد كان العرب في الجاهلية يفتخرون بذلك الا ان المقصود من تعبير رسول الله هو ذم المُتَشَدِّق باعتباره من المستهينين بالناس فيَلْوي شدقه او فكه في الحديث تعمدا للتأثير على الناس بالاسلوب فقط، والمراد عموما بالحديث هو ذم الذين يتحدثون بالدين من دون علم ومعرفة معتمدين على بلاغتهم او التلاعب بالسنتهم في اطالة الكلام فقط، فكم من الخطباء والمتكلمين الذين لو تأمل الناظر في كلامهم لوجد ان كلامهم كله يختصر في دقيقة او دقيقتين ولكنهم اضاعوا وقت السامع بإطالة الحديث وكأن السامعين لهم هم من ذوي العقول المتخلفة الذين يقبلون بالحديث كيفما كان ومن اي شخص كان لكونه مرتديا للباس الديني وكأن العمامة اصبحت مصدرا لتجميع العلوم وانتقالها للابسها او المتلبس بها!
 

وعن رسول اللهﷺقال:
[لعن الله الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر].
والمراد الذين يفصّلون في شرح الكلام ويسرفون في القضايا اللغوية او في التعريف للمصطلح والاسهاب في المقدمات من دون داع لذلك الّا لأجل اظهار بلاغتهم ومعرفتهم بفنون اللغة او بعض فنون الفلسفة.
وهو ما يؤكد على ضرورة احتواء الموضوع على المادة الفكرية التي تملا القلب والعقل اولا ثم الاستعانة بأساليب البلاغة ثانيا والتي اشار اليه امير المؤمنين بصورة رائعة كما تم ذكرها في الحلقة السابقة وصدق ما قاله عن نفسه وعن الائمة المعصومين ع في نص كلامه بقوله:
 

[انا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدلت غصونه]
فمن يسمع كلام الائمة يرى الفرق بين كلامهم وكلام الاخرين واضحا بينا، وكذا الحال في ادعيتهم ومناجاتهم لله، فيعلم كم هي الادعية والاحاديث المنسوبة لهم زورا، وكخاتمة لكلام امير المؤمنين السابق في البلاغة نضيف اليه ما فات منه.
 

عن امير المؤمنين ع انه قال:
[ربما خرس البليغ عن حجته، ربما ارتج على الفصيح الجواب]
اي انه قد يصادف احيانا ان يكون الكلام على درجة عالية من المحتوى والجودة فيعجز المقابل عن رده وان كان بليغا او متكلما، او ربما يكون العكس اذ لشدة سخافة الكلام وتفاهته، يعجز البليغ والفصيح عن الجواب ويتحير فيه.
 

وعن امير ع في تعريف عجز المحاور او عيه عن الرد قال:
[علامة العيّ: تكرار الكلام عند المناظرة، وكثرة التبجح عند المحاورة].
اي ان علامة العيّ او العجز عند المتكلم (او المحاور للاخرين) انما يظهر في اعادة حديثه وتكراره، بالاضافة الى كثرة الحديث عن الانجازات والقابليات الذاتية ليعوض بها عن نقصه وعجزه.
والحديث الاخير (كخاتمة لهذه الحلقة المميزة) فيما وصى به من عدم ذم اهل الفضل بقوله ع :
[لا تجعل ذرب لسانك على من انطقك، ولا بلاغة قولك على من سددك] ( اي لا تجعل لسانك ينال ممن علمك الحديث او من سددك وحسّن منطقك).
وللحديث تتمة

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com