ذكرى للذاكرين    9
 

عن امير المؤمنين (ع) قال :
 

[مَنْ أُعطِيَ أَربَعاً لَمْ يُحرَمْ أَربَعاً، مَنْ أُعطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحرَمِ الإِجَابَةَ، وَمَنْ أُعطِيَ التَّوبَةَ لَمْ يُحرَمِ القَبُولَ، وَمَنْ أُعطِيَ الِاسْتغفَارَ لَمْ يُحرَمِ المَغْفِرَةَ، وَمَنْ أُعطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحرَمِ الزِّيَادَةَ] .


يبين الامام في هذا الحديث ان هناك اربعة هدايا ربانية ثمينة من الله لعباده والناس في غفلة عنها وهي كما يلي:


١) الدعاء : وهو وسيلة الاتصال المباشر السريع مع الله في طلب الاغاثة والمساعدة والعون عند الحاجة والشدة في الامور الصعبة التي تواجه الانسان في الدنيا بل وفي جميع الامور عموما من العافية والرزق والامن والسلامة والتيسير والتذليل لجميع الحاجات الدنيوية، فكل شيء هو بيد الله واليه تعود الامور جميعا الظاهرة منها والباطنة، وقد فتح الله ابوابه لقبول الدعاء والاستجابة له في كل زمان ومكان ومن دون حاجب ومانع شريطة ان لا يكون في الدعاء اثم او مخالفة لسننه في الدنيا حيث دعا الله عباده الى دعائه وتعهد لهم بالاجابة عبر ايات بينات كما قال في كتابه الكريم:
[وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]
[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]
[أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ؟]
[ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]

 

فالدعاء هو نعمة من الله في اغاثة المؤمنين اضافة الى كونه وسيلة فعالة متطورة للصالحين والمطيعين والعارفين بالله في اصلاح امورهم الدنيوية والاخروية بما يحقق لهم السعادة والفوز في الدارين، كما في قوله تعالى:[أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا] كما ان الاحاديث الواردة في فضله واثره كثيرة ونكتفي بحديث واحد منها
عن رسول الله (ص)قال:
[ادفعوا ابواب البلاء بالدعاء]


٢) التوبة : وهي من الهدايا الربانية العظيمة للانسان حيث تمثل فرصة استثنائية للحصول على العفو الالهي الشامل للخلاص من الاثام والذنوب والتي يستحق الانسان عليها نزول العقوبات العاجلة في الدنيا والعقوبات الاجلة في الاخرة، فقد وعد الله التائبين بقبول توبتهم والعفو عن ذنوبهم سيما عند الوفاء بمستلزمات التوبة وشروطها الشرعية كما في قوله:
[وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ]
[وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ]
[إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]

 

٣) الاستغفار: وهو المغفرة العاجلة للذنوب والاثام او بتعبير امير المؤمنين انها الممحاة التي تمحو الذنب وتزيل اثاره وتسترجع رحمة الله التي باعدتها الذنوب الصادرة من العبد مع ربه ،ففي الحديث عنه (ع)انه قال :
[ العجب ممن يقنط ومعه الممحاة، فقيل له وما الممحاة ؟
فقال ع : الاستغفار]،

فالاستغفار هو الرحمة المتجددة من الله لعبده الذي استشعر بسوء ما ارتكبه بحق ربه من المعصية والاثم فبادر الى تدارك ذنبه بالاستغفار خوفا من غضب ربه وسخطه وطلبا لرحمته وفضله، ولذا كثرت الروايات التي تدعوا الى الاستغفار ومنها:
عن رسول الله(ص) قال: [لكل داء دواء، ودواء الذنوب الاستغفار].
عن الامام الباقر قال: [ان المؤمن ليذنب الذنب فيذكره بعد عشرين سنة فيستغفر منه فيغفر له، وانما ذكره ليغفر له، وان الكافر ليذنب الذنب، فينساه من ساعته].

وعن رسول الله (ص) قال: [من اكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب].
والاستغفار وهو مصداق لدعوة الله في كتابه للعباد بالمبادرة الى الاستغفار عند كل ذنب كما في قوله تعالى:
(قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
(أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)
(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ)


٤) الشكر : وهو وسيلة لزيادة الرصيد الاخروي من الحسنات التي تميل بميزان الانسان في يوم القيامة الى جنة الخلد ونعيمها الدائم من دون عمل وجهد بدني الا الاستشعار بنعمة الله وفضله ورحمته والاقرار له بانه هو مصدر هذه النعم ومسببها للعباد،
فالشكر لله في القلب او في اللسان هو تعبير عن الوعي والامتنان والتسليم لله بالفضل والربوبية والعناية منه لعبده، ولذا يكون سببا لزيادة الحسنات والالطاف كما بينه الله في كتابه الكريم بقوله :
[لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]
[مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا]

وعن امير المؤمنين ع قال:[ما من عبد انعم الله عليه نعمة فعرف انها من عند الله الا غفر الله له قبل ان يحمده]
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com