ذكرى للذاكرين   4

 

عن امير المؤمنين ع قال :
 

[وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ] .
 

كلمات قلائل ولكنها تشكل منهجا للحياة الدنيوية الصالحة التي تقود الانسان الى الحياة الاخروية السعيدة، وهي تعبّر عن حقيقة الدين ومقاصده.
فالأصل في الدين هو عبادة الله الواحد الاحد الذي خلق الانسان ثم قام بتدبير امره وحفظ حياته المقدر لها من عنده وبإرادته التامة والتي تتضمن ارادة الانسان النسبية في اختيار حياته النهائية.
ولكي لا ينحرف الانسان عن توازنه وانسجامه مع كل ما خلق الله من الاشياء في هذا الكون العظيم، والذي هو جزء منه، فقد رسم الله له منهجه وطريقته في الحياة وهو ما عبر عنه بالدين او المنهج الذي ينبغي ان يسير عليه في تعامله مع شؤون الحياة ومتطلباتها المختلفة العملية والنظرية ليصل منه الى السعادة النسبية في الدنيا والسعادة الدائمة في الاخرة.
 

فخلاصة الدين هو ان يكون الله سبحانه المحور الذي يدور حوله العباد فيما اوجب الله عليهم من فرائض او التزامات محدودة في الحرام والحلال، لتعينهم في الانسجام مع طبيعة خلقتهم الذاتية ومع طبيعة ما خلقه الله حولهم من الاشياء الاخرى، وليجزيهم على طاعتهم جنات الفردوس ونعيمها وسرورها الدائم.
فلم يفرض الله الدين على عباده لاجل السيطرة عليهم، او لاجل الحد من حرياتهم ورغباتهم لمزاحمتهم له فيها، او لتحقيق منفعة ومصلحة ذاتية له، او للانتفاع منهم في شان من شؤونه الخاصة، فالله غني عن العالمين بما هو فيه من الشان والقدرة الذاتية التي خلق بها الخلائق، او كما عبر عنها في سورة التوحيد بقوله (الله الصمد) اي الذي يحتاجه كل شيء وهو لا يحتاج لاحد منهم في شيء، او كما اوضح استغنائه في عدد من الايات بقوله:
 

( وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ، وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

 

فالدين هو لمصلحة العباد فقط ،وما من واجب فيه امر او نهي الا هو لخير العباد ونفعهم العاجل ولابعادهم عن الاذى الدنيوي ، والذي يترتب عليه بنفس الدرجة الاذى والنفع الاخروي، فالقصد من طاعة لله هو تحصيل جنته والنجاة من ناره، اذ ليس بين الله وبين خلقه قرابة، ويكفي ان تكون الطاعة هي السبب للوصول الى الجنة وهو ما يشير اليه الامام في ضرورة مراجعة الاعمال ومعرفة مدى الاخلاص فيها لله لينال المؤمن الفوز والنعيم في الاخرة، الا ان المعيار والميزان في درجة العطاء الالهي الكبير هو مدى الاخلاص الكامل لله من دون ان يدخل في ذلك اي نفع او عطاء الا الطاعة لله لانه هو اهل لهذه الطاعة والعبودية ،او كما يقول امير المؤمنين :
[الهي ما عبدتك طمعا في جنتك ، ولا خوفا من نارك ، ولكني وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك ].
وهو ما يدفع اهل الايمان لان يدعوا بدعائه (ع )بقوله:
[الهي كفاني فخرا ان تكون لي ربا ، وكفاني عزا ان اكون لك عبدا، انت كما اريد فاجعلني كما تريد].
عسى ان ينالوا توفيق الله في الوصول الى مراتب المتقين والعارفين.
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com