ذكرى للذاكرين   3

 

عن امير المؤمنين (ع) قال :

 
[ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فان عمل خيرا حمد الله واستزاده، وان عمل سوء استغفر].
 

حينما يلقي الله البصيرة في قلب عبده ويعلم ان هذه الدنيا فترة قصيرة جدا من عمره الدائم الذي اعده الله له، وان هذه الحياة الدنيا هي الوسيلة التي يكشف فيها الانسان عن استعداده لاختيار طريقه المستقبلي بين الخلود في الجنة او الخلود في النار، فانه يكون من اللازم له ان يحاسب نفسه قبل الحساب النهائي في الاخرة ليعرف اين سيكون مستقره الاخير، فان الامور في الدنيا بحسب سنن الله لا تبنى على المعاجز وانما تبنى على سعي الانسان وجهده او كما قال سبحانه

( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ )

 حيث ستكشف كل اوراق الانسان ويقيّم سعيه وجهده ، ما حضر في نفسه او غاب عنه ونسيه

(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ).
وهذا الحساب الذاتي الذي ينبغي ان يقوم به الانسان في حياته انما يعتمد على درجة محاسبته لنفسه بين الحساب اليومي التي تدعو اليه الروايات وبين الحساب الاسبوعي او الشهري الذي يعتمده البعض في اموره العملية في الحياة، اذ ان اطلاق العنان للنفس لتفعل كل ما تشتهي وترغب فيه ينتهي بالاعمال الى الكوارث والخسران المحقق ، وهو ما يشير اليه الحديث النبوي من عدم افساح المجال للنفس وهواها لتكون هي المسيطرة على فكر الانسان ومقاليد امره ومحور حياته الدنيوية.
 

عن رسول الله(ص) عندما سأله احد اصحابه عن الطريق الى معرفة الله سبحانه، فقال(ص):معرفة النفس

 (اي تشخيص عظمة خلق الله في خلق هذا الانسان الذي هو عالم عجيب في كمال كل جزء من جسمه الذي يشهد بوجود الخالق العظيم الذي ليس كمثله شيء اضافة الى اسرار الروح وما فيها من خصائص لا يعرفها الا الله [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا] ،
وقد يكون المراد من قوله (ص) معرفة النفس : هو معرفة الانسان لنقاط قوتها وضعفها ليستطيع الانسان توجيهها لما فيه النجاح والفلاح في الاخرة.


فقال يا رسول الله فكيف الطريق الى موافقة الحق؟ (اي طاعة الله) فقال(ص): مخالفة النفس.              (اي عدم الاستجابة لها في تحقيق كل ما تريد وتشتهي)
 

قال فكيف الطريق الى رضا الحق ؟
فقال(ص): سخط النفس.
(اي كبح جماحها وتحديد شهواتها).
 

قال فكيف الطريق الى وصل الحق ؟
فقال(ص): هجر النفس.
( اي عدم الاهتمام بالنفس في تحقيق تطلعاتها وامالها ورغباتها الدنيوية بل الاهتمام بها في وجودها الاخروي ونيل المقام العالي لها في الاخرة الخالدة).
 

قال فكيف الطريق الى طاعة الحق؟
فقال(ص): عصيان النفس. 
(لان هوى النفس هو الداعي الى عصيان الله وعدم طاعته في اوامره ونواهيه).
 

قال: فكيف الطريق الى ذكر الحق؟
فقال(ص): نسيان النفس.
(اي ان يكون حب الله هو الغالب والمهيمن على حب النفس فلا يكون في القلب غير حب الله).
 

قال: فكيف الطريق الى قرب الحق ؟
فقال(ص): التباعد من النفس.
   (اي عدم الخضوع لرغباتها وامانيها)
 

قال : فكيف الطريق الى انس الحق؟ ( اي الانس بالله)
قال(ص): الوحشة من النفس.
(اي معرفة ما يؤدي اليه هوى النفس من البعد عن الله والتعرض لغضبه عند الاستجابة لرغباتها ونزواتها).
 

قال يا رسول الله : فكيف الطريق الى ذلك؟
فقال(ص): الاستعانة بالحق على النفس
(بمعنى الدعاء والابتهال الى الله في طلب العون منه بالهداية والتأييد والتسديد والقوة على طاعته والامتثال لامره).


وفي هذا الحديث الشريف تنبيه الى عدم الغفلة عن النفس وضرورة كبح جماحها ورغباتها ومحاسبتها على الدوام للوصول بها الى النجاة والفوز الاكبر في يوم القيامة

[ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ]
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com