ذكرى للذاكرين    11
 

عن امير المؤمنين ع في وصف تعامل الانبياء والاولياء مع الدنيا قال:


[فهؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه، تنزّهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهّدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما

 أبغض، وصغّروا ما صغّر ].
 

لاشك ان الانبياء والأولياء يمثلون الكمال الانساني في معرفة الخالق والانصياع لأمره بعد ان فتح الله قلوبهم لمعرفة بعض اسرار الحكمة في خلقه وحباهم بالمشاهدة القلبية والعينية لبعض اياته، فكان من نتائج معرفتهم للدنيا وحقائقها انهم زهدوا فيها اي لم يجعلوها محط امالهم وغاياتهم لعلمهم ان العيش فيها قصير وان بعدها دارا اخرى هي دار الجزاء وهي التي يرجون فيها نيل جزائهم وتحقق امالهم، فالله لم يجعل للدنيا قيمة ذاتية الا بكونها مكانا للابتلاء والامتحان ثم تزول ويزول معها كل ما فيها.
 

[ ثم اقتصّ الصالحون آثارهم ، وسلكوا منهاجهم، وألطفوا الفكر (اي دققوا في الفكر)، وانتفعوا بالعبر في هذا العمر القصير من متاع الغرور، الذي يعود إلى الفناء ويصير إلى الحساب].
 

فسار الصالحون على منهجهم واقتدوا باثارهم فجعلوا التعظيم لما عظّم الله، والتهوين لما صغّر الله وابغضه ، واستخدموا الفكر للانتفاع من تجارب الحياة وعدم الغرور والغفلة عن عمرها القصير واحوالها المتنقلة والمتبدلة من حال الى حال وما يتلوها بعد ذلك من الحساب والجزاء في الاخرة.
 

[نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، وفكّروا في مرارة عاقبتها، فلم يستمرئهم حلاوة عاجلها].
 

فمن يتأمل في حقيقة الدنيا والغرض منها وطبيعتها واشتمالها على الامور المتناقضة من المرض والعافية والسلامة والابتلاء والقوة والضعف والامن والخوف والفرح والحزن وامثال ذلك، ثم ينظر الى نهايتها التي لابد منها ومن مغادرة الدنيا وزوالها والى ما ستؤول اليه الامور في نهاياتها، فان نظرته الى الدنيا ستكون نظرة بصيرة تختلف عمن ينظر الى الظاهر منها فقط، وسوف تكون لعاقبة الحياة الدنيا اهمية كبيرة في قلبه، فلا يتأثر بعاجل نفعها ولذائذها الزائلة، وهو ما فعله الصالحون فلم تشغلهم لذائذ الدنيا عن الاخرة، ولم يخوضوا فيما خاض به الملتذون بزينتها، يقال للاكل الملتذ بالطعام انه استمرء الطعام اي استطيبه ووجده مريء لذيذ، وكذا هو حال اهل الدنيا في نظرتهم اليها والانشغال بلذاتها، اما اهل الايمان فلم تغرّهم حلاوة الدنيا العاجلة لانهم علموا ان عاقبتها مرّة لمن لم يحسب حساب الاخرة، ولذا سارعوا الى طاعة الله والامتثال لأمره قبل ترك الدنيا.
[ثم الزموا أنفسهم الصبر، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لأحد أن يشبع منها إلا في حال الضـرورة إليها، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النَفَس وأمسك الروح].
 

فهم لجئوا الى الصبر في التعامل مع الدنيا ومغرياتها وتعاملوا معها كتعاملهم مع الميتة التي يحرم اكلها الا بمقدار الضرورة التي تبقيهم احياء فلم يطلقوا العنان لأنفسهم لتأكل من الدنيا وتتصرف فيها كما تشاء بل تعاملوا معها بحذر وحيطة وكراهة في الاستزادة منها خوفا من امراضها واثارها المباشرة وغير المباشرة .
 

[وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها، فكل من مر بها أمسك على فيه فهم يتبلّغون بأدنى البلاغ ، فلا يرغبوا بالشبع من الميتة لجيفتها، ويتعجبون من الممتلئ منها شبعا والراضي بها نصيبا! ].
 

بل واعتبر الواعين من اهل الايمان ان الدنيا كالجيفة النتنة التي ينفر منها كل من يمر بها ويضع يده على انفه وفمه لمنع وصول الرائحة النتنة الى انفه، فلم يأخذوا من الدنيا الا بمقدار حاجتهم وبأقل ما يكفيهم، ولم ينتهوا إلى الشبع فيها من شدة النتن الذي يفوح منها والذي يجعل النفوس تعزف عن الاكل وتفضل الجوع عليه، فمن عرف الدنيا حق المعرفة فانه لا يستزيد منها ولا يثقل اعبائه باوزارها وتبعاتها لئلا يبوء بسوء حسابها في يوم القيامة.
 

فهكذا هو حال الدنيا وهكذا هو حال الانبياء والاولياء في تعاملهم معها، فكيف نتعامل نحن مع الدنيا؟ هل نتعامل بمنهج الانبياء والصالحين ام بمنهج الراغبين والخاسرين ؟
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
قال تعالى كيف تعملون ولم يقل كيف تتحدثون او تدّعون فالعمل هو المقياس الحقيقي للايمان.
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com