ذكرى للذاكرين   10
 

عن امير المؤمنين ع قال
 

[إِذَا أَقبَلَتِ الدُّنيَا عَلَى أحَد أَعَارَتهُ مَحَاسِنَ غَيرِهِ، وَإِذَا أَدبَرَتْ عَنهُ سَلَبَتهُ مَحَاسِنَ نَفسِهِ].
 

في هذا الحديث عرض لحالة اجتماعية تسود المجتمعات عامة وخصوصا تلك استولى عليها الجهل العقلي والفكري فحينما يصعد نجم شخص او يشتهر ببراعته في موضوع ما سواء في الفكر او السياسة او الرياضة او الثقافة او الفن او الدين او اي موضوع اخر، فان احاديث الناس عنه تتجاوز كل الحدود المعقولة فيكون هو الاعلم والافهم والاتقى والاذكى والاعظم والاقوى وجميع صفات الثناء والمبالغة حتى وان لم يقلها عن نفسه او لم تكن فيه ، فينسب له الكرامات والمعجزات والعبقريات والابداعات والقدرات بلا حدود ولا ميزان، والادهى من ذلك ان يتقبلها الناس ويصدقوها وكانها حقائق مسلمة.
اما اذا دارت عليه الدوائر واصابه الفشل او الخسارة فتنسب له كل الصفات الذميمة وكل الخصائص السيئة حتى يجرد من صفاته الصحيحة التي عٌرف بها، ومن خصائصه الذاتية التي اشتهر بها، بل ويضيف لها الناس زيادات من عندهم ليس لها واقع او حقيقة!
والمراد من الحديث هو لزوم الاعتدال في تقيم الناس وقابلياتهم وخصائصهم سيما في حالة البغض او الحب للمقابل وعدم تصديق كل ما يقال عنه من الاخرين، فمن صفات العاقل ان يفكر في حديث الناس ويزن كلامهم بفكره فان الاهواء غالبا ما تسيطر على الناس وتمنعهم من رؤية الحقائق كما هي، فيصدقون ما يلاقي هوى في انفسهم ويعارضون ما لا تتقبله افكارهم او اهواءهم وهو ما حذر منه الله فكتابه في ايات عدة منها :


(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)
(وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا).
(فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا).
 

وفي هذه الايات البينات ومثلها عدد من الاحاديث المعتبرة عن النبي واهل بيته التي تحذر من الظن والاستعجال في الحكم على الامور الا بعد توفر الدليل والبينة ما يكون باعثا لاهل الايمان بعدم الاندفاع في الامور والمواقف والاحداث وان يتعاملوا معها ببصيرة وحكمة وموضوعية وعلى اساس الحقائق والبينات لا على اساس الظنون والشبهات ليفوزوا بخير الدنيا والاخرة
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com