القلوب الواعية   9

 

في تتمة حديث الامام عن اصناف طلبة العلم واثارهم الدنيوية والاخروية قال عن الصنف الذي يطلب العلم لأجل الاستطالة والختل او للتكبر على الناس وخداعهم ما يلي:
 

[واما صاحب الاستطالة والختل فانه يستطيل على اشباهه من اشكاله، ويتواضع للأغنياء دونه].
اي انه يتعالى على الناس الذين ينخدعون به ويعطوه اهمية لاحاديثه وشانه تأثرا بملبسه ومظهره الديني فيتعامل معهم بتعجرف وكبرياء، اما مع الاغنياء والمترفين واصحاب السلطة السياسية والمقامات الاجتماعية الكبيرة، فانه يتواضع ويتزلف لهم طمعا في الاستفادة من اموالهم وشأنيتهم.
 

[فهو لحلوائهم هاضم ولدينهم حاطم].
فهو لأطعمتهم اللذيذة في مجالسهم ولهداياهم الثمينة له او لرشاويهم من الاموال الباطلة فهو يأخذها ولا يجد حرجا فيها حتى لو علم انها قد اخذت من الحرام او الشبهات فهو لا يستطيع ان يمنع نفسه من لذائذها بل وانه مستعد لتحليل سبل تحصيلها وتبرير كل المظالم والاساليب غير المشروعة التي يقوم بها الطغاة والمستبدين ، فهو لدينه حاطم، والحطم هو الكسر بمعنى انه لا يبالي بالدين لانه لا يعتبره اكثر من وسيلة للحصول على المنافع والمكاسب الدنيوية، فهو ينتهك حرمة الدين بذلك السلوك المعوج بما يعود عليه بسوء العاقبة في الدنيا والاخرة ولذا يدعو عليه الامام بما يستحقه فيقول:
 

[فأعمى الله على هذا خبره وقطع من اثار العلماء اثره].
والاثر هو ما يبقى في الارض عند المشي عليها والمراد هو الدعاء على هذا الصنف من طلبة العلم بالموت المعنوي بفضيحته بين الناس وانكشاف حقيقة دوافعه واعماله، اضافة الى الموت الفعلي وتخليص الناس من شره.
 

ثم يكمل الامام حديثه عن تصنيف طلبة العلم فيتحدث عن الصنف الذي يطلب الفقه لله فيقول عن صفاتهم واعمالهم
 

[واما صاحب الفقه والعقل، فتراه ذا كآبة وحزن].
اي لم تستهويه الدنيا وزينتها وزبرجها بل غلب عليه الخوف من الله فملا عقله وقلبه وصار فكره مشغولا بما اوجبه الله عليه من الحقوق والواجبات ومنها رعاية احوال الامة والدفاع عن المحرومين والمستضعفين والذود عن قضاياها الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية فهو يجمع بين الفكر والعبادة والعلم والعمل.
 

[قد قام الليل في حندسه، وانحنى في برنسه].
الحندس هو الظلمة الحالكة بمعنى ان صاحب الفقه والعقل يقوم لله في ظلمة الليل مخلصا له في ذكره ودعائه، قد لبس البرنس هو القلنسوة الطويلة التي كان يلبسها النساك في صدر الاسلام، فهو معرض عن الدنيا وزينتها متعبد لله بين الصلاة والدعاء والذكر .
 

[يعمل ويخشى، خائفا وجلا من كل احد (اي لا يضع ثقته في الناس) الا من كل ثقة من اخوانه، فشد الله من هذا اركانه، واعطاه يوم القيامة امانه].
اي انه رغم طاعته لله وعمله الصالح فهو يخشى سوء الحساب في يوم القيامة مخافة من حساب الله الشديد وان تفتح عليه ابواب من التقصير والمؤاخذة قد كان في غفلة عنها وهو في الدنيا ولهذا لا يرجو الا رحمة الله وعفوه وفضله ولا يؤاخي الا من يكون له عونا في دينه ودنياه، ولذا يدعو له الامام بتوفيق الطاعة وحسن العاقبة.
وبهذا العرض للأصناف الثلاثة من المتلبسين بالعلم في حقيقة دوافعهم ومقاصدهم وما يستحقوه من الله في اعمالهم، يكون المؤمن على بصيرة من الواقع فيضع كل شيء موضعه من دون ان تخدعه المظاهر وان تلبست بالدين ، وهو ما اوضحه رسول الله من قبل ونهى عن طلب الدين لغير الله او طلبا للدنيا فقال:
 

[من تعلم العلم لأربعة دخل النار، ليباهي به العلماء، او يماري به السفهاء، او يميل به وجوه الناس (اليه) (اي يكسب مودة الناس واحترامهم وخاصة اهل الوجاهة الاجتماعية منهم)، او يأخذ به من الامراء ( اي يستفيد من وجودهم السياسي والمالي في تحصيل المنافع الشخصية الدنيوية)]
ونسالكم الدعاء

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com