القلوب الواعية    8

 

في تتمة حديث امير المؤمنين عن اصناف طلبة العلم وحقيقة دوافعهم قال:
 

[وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل].
وهو الصنف الثالث من طلبة العلم الذي يريد العلم لاجل التفقه بالدين والاستعانة به لطاعة الله والاستفادة منه في احراز الاخرة وبلوغ المنزلة فيها، فقد وعد الله عباده العلماء الصالحين الذين وضعوا انفسهم في طاعة الله وخدمة عباده قربة اليه ان يرفع درجتهم ومقامهم في الاخرة كما في قوله تعالى:
 

[ يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]
[فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]
[ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ]

 

ثم يشرح الامام بعد ان اوضح اصناف حملة العلم طبيعة ما يتميز به كل صنف منهم في سلوكه وفعله وما يستحقون عليه من جزاء في الدنيا والاخرة فيدعو لكل منهم ان يناله ما يستحقه فيقول:
 

[فاما صاحب المراء والجدل فتراه مؤذيا مماريا للجدال في اندية المقال].
فالذي يطلب العلم لاجل اظهار انه من العلماء لينال احترام الناس ومغانمهم فانك تراه يكثر من الجدال في المجالس في كل صغيرة وكبيرة بالحق والباطل ليعلم الناس انه ذو علم ومعرفة بالدين فتكون له مكانة وشأنية في اندية المقال، والاندية جمع نادي وهو المحل الذي يجتمع فيه القوم ويقيمون مجلس للحديث والمناقشات الاجتماعية والادبية والسياسية، فان من طبيعة هذا النوع من المتلبسين بالعلم او الذين حازوا بشيء منه ان يكون له باع في المخالفة والاثارة، فهو يعترض على الاحاديث والاخبار والموضوعات بحق او بباطل، فالمهم ان يكون مخالفا ليبدوا امام الناس ان لديه شيء من العلم في هذا الجانب ، والذي يخفي في حقيقته شيء اخر وهو العقد النفسية التي تحيط بسلوكه وفعله ومنها عقدة الشعور بالنقص، كما انه يكشف كذلك عن ضيق عقله وسطحية فكره ومعلوماته .
 

[قد تسربل بالتخشع وتخلى عن الورع].
فهذا الصنف يتخذ من مظاهر الخشوع والورع في الحديث والسلوك والمظهر وسيلة لخداع الناس والايحاء لهم بانه ولي من اولياء الله ولذا وصفه الامام بانه (تسربل) اي لبس الخشوع كالسربال او القميص وهو دلالة على انه يتخذ من الخشوع لباسا له كالقميص يرتديه امام الناس، ليظهر تدينه وحرصه على الدين، اما جوهره فهو خال من الخشوع ولذا وصفه الحديث بانه تخشع، اي انه تكلّف الخشوع وتظاهر به بمعنى ان الخشوع ليس من طبيعته فهو في داخل نفسه بعيد عن الورع والتقوى وخاصة عندما يكون في في خلوته وانما يتخذ من الخشوع وسيلة للتاثير على الناس باسم الدين واهله
ثم يدعوا الامام على امثال هؤلاء بما يستحقون فيقول:
 

[فدق الله من هذا حيزومه، وقطع منه خيشومه].
والحيزوم ما استدار بالبطن والاضلاع واحاط بالعنق، والمراد بالدعاء هو ان يقطع الله شرايينه من رقبته ويعجل في موته، كما
ان الخيشوم اقصى الانف والمراد من الدعاء كذلك هو الطلب من الله بإذلاله والتعجيل بفضيحته في الدنيا قبل الاخرة فان اذى هذا الصنف من الناس اكثر من نفعهم وخصوصا عند توليهم بعض المسئوليات الاجتماعية او السياسية باسم الدين فان سيئاتهم تنعكس على الدين ويستغلها البعض كعنوان للإساءة الى الدين والانتقاص من قيمة اهله.
وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com