القلوب الواعية    7

 

[طلبة هذا العلم على ثلاثة اصناف، الا فاعرفوهم بصفاتهم واعيانهم (اي اشخاصهم)]
هذا الحديث الرائع يتضمن صفات مهمة عن اهل العلم في حقيقة دوافعهم لطلب العلم وطبيعة اعمالهم التي تنتج عن ذلك، فحملة العلم في الظاهر يشتركون في الملبس والمظهر والعناوين الشخصية او العرفية الا انهم يختلفون في دوافعهم ومنطلقاتهم لطلب العلم، فمنهم من يطلب العلم لله، ومنهم من يطلب العلم للدنيا، وهو ما يصعب تميزه على عموم الناس، فكما هو معلوم ان العلم سلاح ذو حدين وانه يمثل قوة لصاحبه في نفوس الناس ويترك اثره عليهم في الاعتقادات والسلوك، وهو ما جعل الامام يتصدى لتوضيح حقيقة اهل العلم وواقعهم وكشف المزيفين منهم وخاصة في الاجواء المضطربة سياسيا واجتماعيا والتي يكثر فيها ادعياء العلم والمستغلين له لمصالحهم الخاصة
 

[صنف منهم يتعلمون العلم للمراء والجهل].
فالدوافع الذاتية الشخصية لطالب العلم تنعكس على طبيعة درسه، والعلم الذي يكتسبه، والاهداف العملية من وراء تحصيله، فمن يطلب العلم لأجل الدنيا فان هذا الهدف يظهر في سلوكه والاهداف التي يرجوها منه والتي تصب عادة في تحصيل المنافع الدنيوية بحسب طبيعة الافراد وطموحاتهم، فمنهم من يكون مقصده من العلم هو تحصيل القدرة على الجدل (وهو غير النقاش والبحث الموضوعي في الامور)، فالجدل عادة يتسم بالسفاهة في الحديث، وعدم التركيز على موضوع معين، والحديث الخالي من الادلة المعتبرة، والدخول في المواضيع الجانبية التي تخرج عن صلب الموضوع، والانتقال من موضوع لاخر قبل استكمال الحديث فيه، او كما يقال التشريق والتغريب في الموضوعات من دون ان يكون الغرض منه الوصول الى نتيجة بل الغرض منه هو الكلام لاجل الكلام من اجل اتعاب المقابل او اسكاته، ولهذا نهى الله سبحانه عن الجدل ومع الشخصيات الجدلية التي تفتقد التركيز او الموضوعية كما قال في كتابه عن ذلك:
 

[وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسَن]
[وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا]
[وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ]
[ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]


[وصنف منهم يتعلمون للاستطالة والختل].

فهذا الصنف من الطالبين للدنيا باسم طلبة العلم انما يطلبوه للاستطالة والختل، اي لاجل التكبر على الناس وللتمكن من خداعهم (الختل هو الخدعة ومنه الختيلة بالعامية)، فالغرض من اللباس الديني واطالة اللحى انما هو لاجل ايهام الناس وخداعهم بان صاحب هذا الزي هو متلبس بالعلم، بينما هو في حقيقته متلبس بالدنيا، او قد يكون الشيطان متلبس به حين يبلغ درجة من الاحتراف والقدرة على خداع الناس وغسل افكارهم ببعض الكلمات والايات والاحاديث التي يصعب على عموم الناس ادراك حقيقة معانيها ومقاصدها، ولهذا يتسم هذا الصنف بتعظيم المظاهر الخارجية وخاصة اللباس والزي الديني ويضفي الالقاب عليه فيوصف العِـمة بانها عِمَة رسول الله في حين انها لا علاقة لها برسول الله (ص) لا موضوعا ولا واقعا، فاللابس لها هو ليس رسول الله، كما ان عِمَة رسول الله لم تكن بهذه الهيئة والصورة، فكما اصاب اللباس من التطور اليوم في الشكل والمحتوى بين الماضي والحاضر فكذلك اصاب التطور العِمَة من حيث طريقة لفها وجنسها، ولعل اقرب الاشكال اليها هي العمامة الافغانية او اليمنية، اما العمائم المحسّنة عند الشيعة اليوم او المصنّعة عند السنة فهي تختلف كليا عن العمائم في زمان رسول الله.
ثم ما علاقة العمامة بلابسها؟ بل حتى لو كانت هي عمامة رسول الله حقيقة وواقعا، فهل يجسد اللابس لها علم رسول الله ودينه واخلاقه؟ وهل كل من لبس لباس الطبيب اصبح عالما بالطب يحق له ممارسة الطب والعمليات الجراحية؟ وهل كل من لبس لباس القضاء او العسكر اصبح مثلهم في العلم او اللياقة العسكرية؟ فالحرص على التمسك بالظاهر هو كاشف عن زيف الظاهر عن الباطن المدعى به، وهو كاشف عن خلو الباطن من المحتوى الاصيل للعلم وهو دليل على ان المدعي للعلم هو صنف اهل الدنيا الذين يشملهم حديث الامام.
وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com