القلوب الواعية    5

 

عن امير المؤمنين (ع) في تتمة الحديث السابق مع كميل قال:

[إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدرِهِ) لَو أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً].
اي ليتني وجدت من يستطيع ان يحمل هذا العلم الذي في صدري ويكون على المستوى المطلوب من فهمه والعمل به، فان المشكلة التي تواجه المخلصين ويعاني منها الواعين هي ان بعض من يحمل العلم سواء اكان بمضمونه الفكري او بمظهره الخارجي من الهيئة واللباس التي تعكس صورة اهل العلم، انما يحملوه كبضاعة تجارية يستفيدون منها في كسب ارزاقهم واعمار دنياهم، فالقليل من اهل العلم من يفي بشروط العلم والتزاماته الدينية والعملية رغم وجود الايات والاحاديث الكثيرة التي وردت في ذلك وتحدثت عما ينبغي ان يكون عليه اهل العلم في حياتهم ومسلكهم واهدافهم.
 

[بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأمُونٍ عَلَيْهِ].
اللقن هو السريع الفهم والادراك، والذي قد يتواجد بعض منهم في اجواء الدراسة الدينية والبحث العلمي، ولكن للاسف ان هذا اللقن او الفهيم الذي يستوعب ما يطرح من الجوانب العلمية هو ليس بالمستوى العقائدي الذي يمكن الاعتماد عليه لانه يستعمل العلم بالدين او المعلومات الدينية لاجل تحصيل المكاسب الدنيوية التي تعود عليه بالنفع الخاص، فهو يقدم مصالحه الذاتية على مصلحة الدين ويستفيد من الدين كوسيلة لتحقيق اغراضه .
 

[مُسْتَعْمِلًا آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنيَا، وَمُستَظْهِراً(اي مستعينا) بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَولِيَائِهِ ].
حيث يستفيد هذا الفهيم او الذي يستوعب عقله للقضايا العلمية من حب الناس للدين وتقديرهم واكرامهم لاهل العلم من اجل مصالحه الخاصة في بناء دنيا عامرة بالمال والجاه والزعامة والملذات الشخصية، بمعنى انه يستفيد من حصوله على نعمة العلم بالامور الدينية والمسائل الفقهية في خداع عباد الله وتلبيس الامر عليهم بما يحقق له اغراضه الذاتية ومصالحه الدنيوية باسم الدين والواجبات الدينية.
كما انه يستفيد من حب الناس لحجج الله وانبيائه واوليائه المعصومين وانقيادهم لهم فيستعملهم كوسيلة في خداع الناس الطيبين فيفعل ما يريد باسم النبي واهل بيته ويلبسهم كل افكاره ومعتقداته الخاصة وكأنه وكيل عنهم وناطق باسمهم مما يجعل الناس البسطاء الاخيار مستجيبة لطروحاته وافكاره حبا لاهل البيت وطاعة لهم، ولذا فامثال هؤلاء المستنفعين بالدين لا فائدة منهم مهما كانت درجتهم العلمية او موقعهم في التيار الديني اذ لا يرجى منهم الخير والهدى .

[أَوْ مُنقَاداً لِحَمَلَةِ الحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحنَائِهِ ].
وهو النمط الاخر من الذين يشتكي منهم امير المؤمنين في عدم العثور على حملة العلم الواعين والمخلصين لله، فكما هو الحال من ضرر اللقن او السريع الفهم الذي يستعمل الدين للدنيا، فهذا النمط ايضا لا ينفع في نصرة الدين لانه فاقد البصيرة والادراك السليم لمقاصد الدين واهدافه، تنقصه الموضوعية والرجاحة في الفكر والعقل رغم حماسة افراده واندفاعهم لنصرة الدين، فهم سرعان ما تتزعزع مواقفهم الدينية عند اول شبهة تثار معهم ويغلب عليهم الشك والريب في القضايا الدينية او السياسية وبتعبير الامام انه :

[يَنقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّل عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ].
فهذا النمط يكون ضرر احيانا اكثر من نفعه كما كان الامر مع الخوارج الذين تمردوا على امير المؤمنين ولم يستجيبوا له في اشد الاوقات صعوبة في معركة صفين فلم يخذلوه فحسب بل وقفوا امام سعيه في استئصال راس المنافقين وهددوا بشن الحرب عليه ان لم يستجب لمطاليبهم مما اضطره الى ايقاف الحرب والقبول بالتحكيم رغم رفضه لشروطه الظالمة.
وللبحث تتمة

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com