القلوب الواعية   4

 

عن امير المؤمنين (ع) في تتمة الحديث السابق مع كميل قال:


[ياكُمَيْلَ: مَعرِفَةُ العِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ ، يَكْسِبُ الإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأحْدُوثَةِ بَعدَ وَفَاتِهِ].

اي ان المعرفة التي تتولد من خلال العلم انما تمثل دين للانسان فيما يلتزم به من المعتقدات بعد قيام الحجة عليه، فانما يحاسب الناس على مقدار علمهم وتعقلهم لهذه المعارف الدينية، او كما قال امير المؤمنين في حديث اخر:

(تعلموا العلم فان تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لأهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة ، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع الله به اقواما يجعلهم في الخير ائمة يقتدى بهم، تُرمق اعمالهم، وتُقتبس اثارهم، وتَٓرغب الملائكة في خلّتهم يَمسحون بهم باجنتهم في صلاتهم، لان العلم حياة القلوب، ونور الابصار من العمى، وقوة الابدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الابرار، ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والاخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، بالعلم يعرف الله ويوحد، بالعلم توصل الارحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم امام العقل والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الاشقياء)

فمن طبيعة العلم ان يكسب العلماء الطاعة لهم من الناس اعترافا بمنزلتهم العلمية فيستجيبوا لهم فيما يوصون به وينهون عنه في حياتهم كما انه يكون جميل الاحدوثة (اي الاحاديث) عنهم بعد وفاتهم فيما عرفه الناس عن فنونهم ومهاراتهم في هذا الجانب من العلم، اما اذا كان الموضوع يرتبط بالدين فان الطاعة لهم تكتسب معنى اكبر ينسجم مع المكانة العظيمة التي تعطى للعلماء من الدين، وهي منزلة كبيرة عادة قد تقود الى الدرجات العلى في الاخرة عند التزام صاحبها بالقيم والاسس الدينية، او قد تقود الى جهنم عند الانحراف والضلال عن قيم الدين وغاياته

ثم يوضح امير المؤمنين منزلة العلم فيقول في تتمة الحديث:

[وَالعِلْمُ حَاكِمٌ وَالمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ]

فان طبيعة العلم ان تكون له الاولوية في القرارات بينما من طبيعة المال هو الخدمة لتنفيذ ما قاد اليه العلم والفكر، او كما قال امير المؤمنين في حديث اخر : الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك ولذا يتمم الامام حديثه الاصلي بالقول:

[يَا كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الاموَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي القُلُوبِ مَوجُودَةٌ].

فاصحاب الاموال لا ذكر لهم ولا اهمية لما اكتسبوه من المال مادام انهم قد سخروا المال لاغراضهم الخاصة، فهم لا يعتبرون اكثر من حرسة لهذا المال الذي امتلك نفوسهم فأقلقها واتعب ابدانهم فأمرضها وشغل افكارهم فأبعدها عن موارد الهدى والرشاد ثم يتركوه لغيرهم عند موتهم، لم ينتفعوا به لتعمير اخرتهم او لإسعاد دنياهم، فهم كالاموات وهم احياء، في حين ان العلماء لهم مقامهم البارز في الدنيا بما قدموه من الاعمال التي تنعكس على حياة الناس بالخير والفائدة، كما انهم باقون في نفوس الناس وعقولهم بعد موتهم بما تركوه من اثار علمية وعملية تركت بصماتها في الحياة.
وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com