القلوب الواعية   3

 

عن امير المؤمنين (ع) في تتمة الحديث مع كميل قال:

[ يَا كُمَيْلُ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ، العِلْمُ يَحرُسُكَ وَأَنتَ تَحرُسُ المَالَ، وَالمَالُ تَنقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالعِلمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ المَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ].

يتعرض الامام (ع) في هذه الفقرة الى موضوع مهم يمثل تفاوتا كبيرا في اهتمامات الناس في الدنيا والتي تنعكس على سعيهم وانشغالاتهم في الحياة، فالغالبية من البشر بحكم حاجتهم الى المال لتدبير معيشتهم وتحصيل درجات الرفاهية المادية والمنزلة الاجتماعية، يتوجهون الى هذا الجانب من دون تفكير في التبعات التي تتولد عن الاكثار من تحصيل المال وسلبيات الحياة المادية، والتي تؤثر عى انفسهم وعلى أٌسرهم وعلى المجتمع بشكل عام، فهم كمن يكثر من الاطعمة الدسمة متلذذا بها من دون ان ينتبه الى الاثار الجانبية والمَرَٓضيّة التي تنعكس عن ذلك من ارتفاع ضغط الدم وزيادة الكولسترول وغلظة الدم والاسباب الاخرى الداعية الى حدوث السكتات القلبية او الدماغية وامثالهما من الامراض التي تعرض حياة الانسان للخطر، فالسعي الحثيث لجمع المال يترك اثاره النفسية والعملية على توجهات الانسان واهتماماته الدنيوية، والتي غالبا ما تنسيه الاهتمامات الاخروية التي هي الاصل في وجوده الدنيوي الذي يترتب عليه مكانه ومنزلته في الاخرة، اضافة الى ما تتركه من تاثير سلبي على روابطه الاسرية مع زوجته واولاده واهله واقاربه بسبب كثرة الانشغال في جمع المال وتحصيله مما لا يترك له وقت لاداء حقوق الاخرين، وللشيطان فنون في استغلال هذا الجانب لتدمير الانسان في حياته الدنيوية والاخروية لمن يقع في شباكه ويؤثر الدنيا على الاخرة.

وهو ماينبّه اليه حديث الامام عن المفاضلة بين العلم والمال وبيان الاسباب الداعية الى رجحان العلم على المال، فمن تبعات جمع المال انه يحتاج الى الحراسة من الناحية الامنية سواء عند وضعه في البيت او البنك او في اماكن التشغيل والاستثمار لئلا يتعرض للسرقة او خسران قيمته المادية والاعتبارية، وهو مايسبب انشغال فكر المالك وقلقه واضطرابه النفسي والبدني وخاصة مع تطور الامور الاقتصادية وارتباطها مع الامور السياسية والاجتماعية، في حين ان العلم بالمقابل يريح الانسان من هذا العناء النفسي والفكري، فهو لا يحتاج الى الحراسة والحفظ لانه في مكان امن من العقل والقلب، بالاضافة الى انه يحتوي على اسباب الرشاد والهدى التي تسهم في تقييم وتطوير حياة الانسان الدنيوية والاخروية واحراز الدرجة فيهما.

كما ان المال يتصف بالنقصان عند الاستفادة منه وهو ما يشغل فكر الانسان في استثماره وزيادته، في حين ان العلم يزداد مقداره عند الاستفادة منه في الاستثمار الخاص من البحث والتفكر في موضوعاته، او في الاستثمار العام عند تدريسه او الحديث فيه مع الناس في المجتمع وما يثيره من تساؤلات ومناقشات تسهم في تطويره وزيادة المعرفة والخبرة فيه وهوماعبر عنه الامام بقوله :(وَالمَالُ تَنقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالعِلمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ)

ثم يوضح الحديث نقطة ثالثة تتعلق بالاثر الذي يتركه المال والاثر الذي يتركه العلم ،فان نفع المال هو وقتي في رفع الحاجة الطارئة او الرغبة الحاصلة في الشيء ثم يلفه النسيان بعد ذلك، سواء اكان لذات الانسان او لغيره، حيث تمحو التغيرات الحياتية والزمانية والمكانية التي تطرأ على الحياة اثاره ونتائجه، بينما يبقى اثر العلم مقرونا بصاحبه ويبقى له رصيده الاخروي في الجانبين السلبي والايجابي سيما مع تعاظم التبعات والاثار المترتبة عليه، كما هو الحال مثلا مع النظريات والفلسفات القديمة التي سبقت نشوء الاسلام او التي تلت نشوؤه او في الاكتشافات والنظريات العلمية القديمة والحديثة، فيبقى اسم اديسون مقرونا مع الكهرباء او اسم اينشتاين مقرونا مع النظريات الرياضيات والفيزيائية ويبقى اسم العلماء والفلاسفة والحكماء في الزمن السالف او الحادث مقرونا بانجزاتهم واثارهم، اضافة الى الاثار التي تتولد عن اعمالهم من زيادة رصيدهم الاخروي من الحسنات والسيئات تبعا لنواياهم ومجالات اعمالهم كما في الحديث النبوي الشريف : (من سن سنّة حسنة فله اجره واجر من عمل بها)، كما قال في حديث اخر (من سن سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها) وباب العلم واسع ومفتوح وسياتي مزيد من الايضاح عنه في تتمة الحديث ان شاء الله ليستفيد اهل الايمان منه في بناء حياتهم على ما يكون ذخرا لهم في الدنيا والاخرة.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com