القلوب الواعية   1

 

عن أَمِير المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالب (ع) في حديث رائع مع كُمَيْل بْنَ زِيَاد قال:

 

[ يا كُمَيل إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أَوعِيَةٌ فَخَيرُهَا أَوعَاهَا ]
اي ان قلوب الناس او عقولها وفهمها وادراكها يتفاوت بين البشر ويختلف من فرد لآخر، فبعض الناس عقولهم تتميز بالعمق والسعة كالوعاء او الاناء الواسع العميق الذي يأخذ المزيد من الاشياء التي توضع فيه، بينما يتميز البعض الاخر بالسطحية والمحدودية اذ سرعان ما يمتلاٌ عند سكب سائل فيه، وهو ما اشارت اليه الاية (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) اي اشتمل كل وادي على الماء بمقدار عمقه وسعته، فان بعض الناس من طبيعته ان يكتفي بالسطحية من الفهم والادراك، وبعضهم يتميز بالعمق والموضوعية والبحث عن الدليل والاسباب، ولذا لا ينبغي معاملة الناس على مستوى واحد من الفهم او في تحمل المسئوليات التي تعهد اليهم وانما يلاحظ لكل انسان قدره وخصائصه الذاتية وعدم تحميله بأكثر من طاقته، والمراد بشكل عام ان القلوب هي مستودع للفكر والعواطف والمشاعر فخيرها اوعاها او من كانت الصفة الغالبة عليه هو الفهم والادراك واتباع الدليل والمنطق والبينة في فهم الحقائق لقيادة النفس نحو طاعة الله ورضاه.

 

[ فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ ، ،النَّاسُ ثَلَاثَةٌ]
وهي دعوة من الامام للانتباه وفتح القلب لما سيقوله من الحقائق الي تتعلق بطبيعة الناس في الفهم والاستيعاب وما يلزم من التعامل معهم بموجب ذلك، فالناس على ثلاثة اصناف:
 

[ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ]

والمقصود بالرباني هو نسبتهم الى الرب في صدق طاعتهم له وامتثالهم لأمره وذلك بحسن استيعابهم لكتابه ودراستهم لاحاديث نبيه وعملهم بالتعاليم التي جاء بها فاصبحوا مثلا في الطاعة والخضوع لله كما عبر في كتابه الكريم عنهم:

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهَ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)

حيث اوضح سبحانه الميزان والمعيار في معرفة العالم الرباني وهو الفهم والادراك السليم لقيم الدين ومفاهيمه، والامتثال لها، والالتزام بما يدعو الناس اليه من تعاليم الدين، فلا يتحدث خلاف العقل والمنطق وتحميل الدين ما ليس فيه، ولا يقول غير ما يفعل، وهذا الميزان هو لأجل ان لا ينخدع الناس بالمظهر الخارجي من اللباس او الحال الذي يرمز للعلم والعلماء، فلا تكون العمامة او اطالة اللحى هي المقياس في اهل العلم وانما اصابة العلم والعمل وهو ما أشارت اليه عدد من الآيات لتنبيه الناس الى هذه الحقيقة كقوله تعالى:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله] وقوله تعالى

[فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ]

 

[ وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ]
وهو الصنف الثاني من الناس الذي يكون حاله هو طلب العلم والهدى، ساعيا لمعرفة الامور الدينية والعمل بها من دون تخلف عنها مهما كانت الظروف الضاغطة او المصالح الخاصة التي يحصل عليها عند تركه للالتزامات الدينية، ولذا ينتظر لهذا الصنف من الناس الذين يحرصون على التعلم للدين والعمل بما علموا به ان يشملهم توفيق الله وفضله في بلوغ حسن العاقبة والنجاة من النار كما في قوله تعالى:[وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ]
وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com